تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9

وأصاب الناس قحط، فاجتمع ناس من زعماء العرب في عكاظ، فتواعدوا وتوافقوا ألا يتغاوروا حتى يخصب الناس.

10

وفي أخبار السليك بن السلكة أحد الصعاليك العدائين أنه خرج في الشهر الحرام فأتى عكاظ، فلما اجتمع الناس أخذ يطوف بين الناس متنكرا، ويقول: من يصف لي منازل قومه وأصف له منازل قومي ... إلخ.

ومن التفاخر في عكاظ حتى بالمصائب ما رواه صاحب الأغاني في أخبار غزوة بدر قال:

لما كانت وقعة بدر، قتل فيها عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، فأقبلت هند بنت عتبة ترثيهم، وبلغها تسويم الخنساء هودجها في الموسم ومعاظمتها العرب بمصيبتها بأبيها عمرو بن الشريد وأخويها صخر ومعاوية، وأنها جعلت تشهد الموسم وتبكيهم، وقد سومت هودجها براية، وأنها تقول: أنا أعظم العرب مصيبة. وأن العرب قد عرفت لها بعض ذلك، فلما أصيبت هند بما أصيبت به وبلغها ذلك، قالت: أنا أعظم من الخنساء مصيبة. وأمرت بهودجها فسوم براية وشهدت الموسم بعكاظ، وكانت سوقا يجتمع فيها العرب، فقالت: اقرنوا جملي بجمل الخنساء ... إلخ.

وقصة الأعشى الشاعر مع المحلق الكلابي معروفة، خلاصتها أن المحلق كان مئناثا مملقا، فأشارت عليه امرأته أن يسبق الناس إلى الأعشى فيضيفه وهو ذاهب إلى عكاظ، وينحر له ناقة ويسقيه، ففعل، وأحاطت بنات المحلق بالأعشى يخدمنه، فسأل: ما هذه الجواري؟ فعلم أنهن بنات المحلق وأنهن لم يتزوجن.

ووافى المحلق عكاظ، فإذا هو بسرجة قد اجتمع الناس إليها، وإذا الأعشى ينشد قصيدته التي يقول فيها:

لعمري لقد لاحت عيون كثيرة

إلى ضوء نار باليفاع تحرق

تشب لمقرورين يصطليانها

وبات على النار الندى والمحلق

رضيعي لبان ثدي أم تقاسمها

بأسحم داج عوض لا نتفرق

ثم نادى الأعشى: يا معشر العرب، هل فيكم مذكار يزوج ابنه إلى الشريف الكريم؟ فسارع الناس إلى تزوج بنات المحلق.

وللقصة روايات أخر.

ولما هجا دريد بن الصمة عبد الله بن جدعان التيمي القرشي، لقيه في سوق عكاظ فكلمه في هذا.

فكانت عكاظ المجتمع الذي التمس فيه عبد الله هاجيه ليسأله لماذا هجاه.

11

وكان زهير بن جذيمة العبسي له إتاوة في هوازن، فكانت تأتيه بها في عكاظ. روى صاحب الأغاني: «وكان إذا كان أيام عكاظ أتاها زهير ويأتيها الناس من كل وجه، فتأتيه هوازن بالإتاوة التي كانت له في أعناقهم، فيأتونه بالسمن والأقط والغنم».

12

وفي الأغاني أيضا: «وكان عبد الله بن جعدة سيدا مطاعا، وكانت له إتاوة بعكاظ يؤتى بها، ويأتيه بها هذا الحي من الأزد وغيرهم».

13

وروي أن قس بن ساعدة الإيادي كان يأتي عكاظ فيخطب داعيا إلى الدين الحق مبشرا بالنبي، وروي أن رسول الله صلوات الله عليه سمع خطبة من خطبه في عكاظ.

وروي كذلك أن الرسول كان يقصد إلى عكاظ يدعو القبائل إلى الإسلام، ويعرض عليهم أن يحموه حتى يؤدي رسالته. •••

وهكذا يجد الباحث كثيرا من أخبار عكاظ الدالة على عظم شأنها عند العرب، وقصدهم إليها من كل فج للتجارة، والمفاخرة، وإنشاد الشعر، ونشدان الضالة، والدعوة إلى معروف أو صلح ... إلخ.

| هوامش

الفصل الثاني

| موضع عكاظ

لسوق عكاظ ذكر رائع في تاريخ العرب قبل الإسلام، وله آثار في لغتهم وأدبهم، وفي تجارتهم، وأحوالهم الاجتماعية من حرب وسلم وتفاخر وتكاثر. •••

وقد كثر الكلام في مكان هذه السوق، فقال قائلون: هو المكان الذي يسمى اليوم السيل الكبير، وهو ميقات الحاج القادمين من نجد والطائف، على الطريق بين مكة والطائف. وقال آخرون: هو حيث السيل الصغير، وهو موضع في الطريق بين السيل الكبير والطائف على عشرين كيلا من الأول واثنين وثلاثين من الثاني. وقيل كان في موضع يسمى اليوم القانس بين مكة والسيل الكبير، وقيلت أقوال أخرى. •••

وقد أخبرني منذ أشهر الصديق الأديب الشيخ أحمد الغزاوي شاعر جلالة الملك عبد العزيز أن سمو الأمير فيصل آل سعود أخبره أنه ذهب إلى موضع عكاظ، وليس هو بالسيل الكبير ولا السيل الصغير، وأنه اجتمعت أدلة كثيرة على أن في هذا الموضع لا غيره كانت سوق عكاظ.

موقع عكاظ · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

موقع عكاظص ٣