تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان الغوري دينا محافظا على فروض الدين، شديدا على من يفرط فيها، وكان يعد من علماء الدين في مصر، كما يتبين فيما يأتي.

وكان كلما حزبه أمر أو حلت بالبلاد قارعة أو خشي عليها نازلة فزع إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلى قراءة القرآن والحديث والدعاء، وكان البخاري يقرأ في رمضان ويحتفل بختمه في القلعة، وهي سنة قديمة.

يقول ابن إياس في حوادث رجب سنة 915: وفي رجب نادى السلطان بألا يتجاهر الناس بالمعاصي، ولا يمشى بسلاح بعد المغرب، وأن الناس يواظبوا على الصلوات الخمس في الجوامع.

وفي حوادث ذي الحجة سنة 915 أن النيل زاد في هاتور ثمانية أصابع فتضرر الناس، «فرسم السلطان للقضاة الأربع بأن يتوجهوا إلى المقياس، ويدعوا إلى الله تعالى في هبوطه، فتوجهوا هناك وباتوا بالمقياس، وقرأ السلطان تلك الليلة ختمة شريفة ومد أسمطة حافلة، فانهبط في تلك الليلة نحو من نصف ذراع، فعد ذلك من الوقائع الغريبة.»

ويصف الشريفي صلاة السلطان وتهجده بالليل ودعاءه، في خاتمة الشاهنامة.

22

وكان برا بالفقراء كثير الصدقات؛ أنشأ رباطا ومارستانا في مكة ورباطا في مصر، وأجرى فيها الصدقات.

وكان يجب أن يتصدق على الفقراء بيده؛ نجد في ابن إياس مثل هذه الحوادث:

المحرم سنة 912: «وفيه في يوم عاشوراء أمر السلطان بأن تجمع الفقراء والحرافيش عند سلم المدرج فاجتمع هناك الجم الغفير من الفقراء والحرافيش ونزل السلطان بنفسه ووقف وهو راكب على فرسه تحت سلم المدرج، وصار يعطي لكل إنسان من الفقراء من رجل وامرأة وكبير وصغير أشرفي ذهب، فوقع الازدحام بين الفقراء حتى قتل منهم ثلاثة أنفار، من شدة ازدحامهم، فكان كما يقال في المعنى:

فيا لك من عمل صالح

يرفعه الله إلى أسفل

وقيل: إنه فرق في ذلك اليوم نحوا من ثلاثة آلاف دينار فارتفعت الأصوات له بالدعاء، فلما رأى ازدحام الفقراء لم ينزل مرة أخرى ولم يفرق شيئا، وكان قصده يفرق على الفقراء مرة أخرى.»

في رمضان سنة 915: «نزل السلطان إلى الميدان فوقف إليه جماعة من المغاربة نحو من سبعين إنسانا ما بين رجال ونساء وقد قصدوا الحج في هذه السنة، فرسم لهم السلطان بأشرفي لكل واحد منهم ثمن بقسماط.» (13) وفاؤه

وكان وفيا برا بأصحابه وأولياء نعمته؛ بقي طول عمره يذكر سيده قايتباي بالخير ويعظمه. قال ابن إياس في حوادث ذي القعدة سنة 915: «نزل السلطان وسير وتوجه إلى نحو تربة الأشرف قايتباي فنزل عن فرسه ودخل وزار قبره وبكى هناك وتمرغ على قبره، وقرأ له الفاتحة ثم رسم للبوابين وللصوفية بمائة دينار.»

ونجد في كتاب النفائس تعظيمه قايتباي.

23

ونجد في موضع آخر حزنه على أحد رجال دولته وهو الأشرف قرقماس، يقول ابن إياس في وصف جنازته (رمضان سنة 916): «فلما وصل إلى سبيل المؤمني خرج السلطان من الميدان وهو راكب وأتى إلى سبيل المؤمني، فنزل عن فرسه ودخل للصلاة؛ فلما وضعوا نعشه بين يديه قبله وهو في النعش وبكى عليه بكاء كثيرا، فلما صلوا عليه حمل نعشه ومشى به خطوات حتى أخذوه منه الأمراء.» (14) محاسن الغوري كما أجملها ابن إياس

يقول ابن إياس في حوادث رمضان سنة 922: «فأما ما عد من محاسنه؛ فإنه كان رضي الخلق يملك نفسه عند الغضب، وليس له بادرة بحدة عند قوة خلقه، ومنها أنه كان له اعتقاد زايد في الصالحين والفقراء، ومنها أنه كان يعرف مقادير الناس على قدر طبقاتهم، ومنها أنه كان ماسك اللسان عن السب للناس في شدة غضبه، ومنها أنه كان يفهم الشعر ويحب سماع الآلات والغناء، وله نظم على اللغة التركية، وكان مغرما بقراءة التواريخ والسير ودواوين الأشعار، وكان قريبا من الناس يحب المزاح والمجون في مجلسه،

24

غير كثيف الطبع في ذاته، وكان عنده لين جانب ورياضة بخلاف طبع الأتراك، ولم يكن عنده شمم ولا تكبر نفس.» (15) مساوئ الغوري

مجالس السلطان الغوري: صفحات من تاريخ مصر في القرن العاشر الهجري · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجالس السلطان الغوري: صفحات من تاريخ مصر في القرن العاشر الهجريص ٩