18
وعد ذلك من النوادر، ثم نقل إلى المدرسة أيضا الربعة العظيمة المكتوبة بالذهب التي كانت بالخانقاه البكتمرية التي بالقرافة، قيل إن مشتراها على الواقف ألف دينار، ولم يكتب نظير هذه الربعة سوى ربعة أخرى بخانقاه سرياقوس اشتراها الملك الناصر محمد بن قلاوون بألف دينار أيضا، وأخرى بالمدينة الشريفة.
وقد وقع للأشرف قانصوه الغوري في مدرسته من المحاسن ما لا وقع لأحد قبله من الملوك، وحاز فيها أشياء غريبة عزيزة الوجود.
ولما نقل الآثار الشريف والمصحف العثماني إلى مدرسة السلطان كان له يوم مشهود ونزل قدامه القضاة الأربع والأتابكي قيت، وجماعة من الأمراء المقدمين والفقراء أرباب الزوايا والأعلام وهم يذكرون ...
وفي ذلك اليوم أخلع على الشيخ برهان الدين بن أبي شريف وقرره في مشيخة هذه المدرسة، وقد صرف عن قضاية القضاة، وانفرد بمشيخة مدرسة السلطان واستمر بها إلى الآن.»
19
صورة قديمة تبين الشارع بين جامع الغوري والقبة، رسمها بعض السائحين، وترى فيها السقيفة التي كانت فوق الشارع.
ويصف الشريفي الشاعر - الذي ترجم الشاهنامة إلى اللغة التركية بأمر الغوري - عمارات السلطان وصفا شعريا يدور على الخيال والمبالغة، ولكنه ينم عن حقائق، فهو يصف القبة ويبين علوها، وأنها لونت باللون الأزرق، ويصف الجامع والسوق التي تحته، ويصف الخانقاه التي بجانب القبة وهي القاعة الكبيرة الجميلة التي إلى يسار الداخل. ويقول في هذه الخانقاه: «يقرأ فيها العلم الإلهي، ويتلى القرآن والأوراد في الأسحار، ولها شيخان وثمانون صوفيا يقرءون مرتين كل يوم، وبها مائتان من أصحاب الوظائف (يعني الجرايات) منهم من يعطى الخبز كل يوم، ومنهم من يعطى وظيفته مشاهرة.
20
ويقول في السبيل الذي يلاصق الخانقاه: «وبجانب الخانقاه سبيل كأن ماءه سلسبيل؛ يشرب الناس منه ليل نهار، وفيه خدام لا يغيبون نهارا ولا ليلا؛ فإذا غاب أحد السقاة أناب غيره.»
ويقول في المكتب الذي فوق السبيل: «وبنى فوق السبيل مكتبا يقرأ فيه الأيتام إلى العصر، وفيه مؤدب يعلمهم ويربيهم.»
وكذلك نجد الكلام عن عمارات السلطان في كتاب النفائس.
21
باب من آثار الغوري يرى اليوم في شارع الصليبة متصلا بدار أحمد بك إحسان. (11) ولعه بالحدائق والأزهار
وأما ولعه بالحدائق والأزهار وإجراء المياه في الحدائق واتخاذ الأحواض والنافورات فيدل عليه ما فعل في ميدان القلعة.
وهذا الميدان وصفه الشاعر الشريفي، وذكره ابن إياس كثيرا، يقول في حوادث جمادى الآخرة سنة 914: «وفيها كان انتهاء العمل من المجراة التي أنشأها السلطان كما تقدم فدارت هناك الدواليب وجرى الماء في المجراة حتى وصل إلى الميدان الذي تحت القلعة.
ثم إن السلطان صنع هناك سواقي نقالة، وبنى ثلاثة صهاريج تمتلئ من ماء النيل برسم المماليك الذين يلعبون الرمح في الميدان، وشرع في بناء بحرة في وسط ذلك البستان الذي أنشأه بالميدان فكان طول تلك البحرة نحوا من أربعين ذراعا، وقيل أكثر من ذلك، وبنى هناك عدة مقاعد ومناظر مطلات على ذلك البستان.»
وفي حوادث ذي الحجة سنة 915: «وفي هذه السنة أينعت الأشجار التي غرسها السلطان بالميدان وأخرجت ما شتله بها من الأزهار ما بين ورد وياسمين وبان وزنبق وسوسان وغير ذلك من الأزهار الغريبة. ولقد عاينت به وردا أبيض ذكي الرائحة وهو غير أنواع الورد التي بمصر، وقد نقل من الشام، وكان يطرح في أوان الصيف والنيل في قوة الزيادة، وهو نوع غريب لم يوجد بمصر.
فكان السلطان يوضع له دكة كبيرة مطعمة بالعاج والأبنوس ويفرش فوقها مقعد مخمل بنطع، ويجلس عليه، وتظله فروع الياسمين، وتقف حوله المماليك الحسان بأيديهم المذبات ينشون عليه، ويعلق في الأشجار أقفاص فيها طيور مسموع ما بين هزارات ومطوق وبلابل وشحارير وقماري وفواخت وغير ذلك من طيور المسموع، ويطلق بين الأشجار دجاج حبش وبط صيني وحجل وغير ذلك من الطيور المختلفة - إلى أن يقول - وقد صار هذا الميدان جنة على الأرض.» (12) تدينه وبره بالفقراء