تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وظن ذلك بحرا لست أسلكه

وقال فسره شمس الدين قلت له

مولاي لغزك ليس الشمس تدركه

4

قال: هو القمر.

مولد السيد الأعظم

صلى الله عليه وسلم

الليل لما عسعس، والصبح حين تنفس، خرج سلطان ممالك الأفلاك من خيمته الأزرق،

5

وهربت منه جيوش حبوش الليل الغسق، ونزل عساكر أنواره على وجه الأرض، واستولى على جميع الممالك بالطول والعرض، أمر السلطان الأعظم، والخاقان المعظم، سليمان الزمان، إسكندر الدوران، وارث ملك يوسف الصديق، خليفة الحق

6

بالحق والتحقيق، أمير المؤمنين، وخليفة المسلمين، الملك الأشرف أبو النصر قانصوه الغوري خلد الله تعالى ملكه وسلطانه، وأفاض على العالمين بره وإحسانه - رب كما جعلت شموس معدلته رافعة لظلام الظلم عن كافة الأنام في العالم، اجعل خيام بقائه مشيدة بأوتاد الأبد، وأطناب الدوام المؤبد، بجاه محمد، يا واحد يا أحد - أمر

7

بضرب خيمته الزرقاء، على فرش مسطح الغبراء، التي كان الفلك الأطلس يتمنى أن يكون من سقوف قبابها، وترتجي النجوم والكواكب أن تكون من مسامير أبوابها، ما كانت الكواكب في تلك الليلة ظاهرة، بل كانت عيون الملائكة من الملأ الأعلى لأجل تفرجها ناظرة، وبواسطة هذه الخيمة السلطانية صارت السموات السبع ثمانية، وكأن أشارت سماء الدنيا بأنملة الأهلة إلى الملك، وقالت: هل رأيتم مثل هذا الفلك؟ والشمس والقمر يدوران حولها ويرميان روحهما من المنافذ حتى يتفرجا المجلس العالي، وفلك القمر فتح أعين الكواكب الثواقب، حتى ينظر وجوه الأكابر والأهالي.

ثم سلطان الحرمين الشريفين، في يوم الاثنين، عمل مولد سيد الكونين، ورسول الثقلين، وسلطان قاب قوسين.

وكان هذا اليوم مصداق:

ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود ؛ لأنه يوم معراجه

صلى الله عليه وسلم

ووفاته، ويوم المولود.

8

وكان هذا اليوم موكب عظيم، لا فيه لغو ولا تأثيم، وفي هذا اليوم اكتسبت السماء من الأرض استفاضة النور، وهذا الخبر عند أهل الأثر معروف ومشهور.

وكان مولانا السلطان في الخيمة كالشمس في وسط سماء الدولة، أو بدر كامل في فلك أطلس السعادة، في طرفيه اثنا عشر منزلا، وفي كل منزل مقام مقدم ألف، وهو كقمر كامل بلا نقصان، أو بدر لامع بلا خسران، فأمر حضرة مولانا السلطان بإحضار السادات العظام، والعلماء الأعلام، وقضاة الإسلام، والأمراء الكرام، ووزراء الأنام، ووجوه الناس من المباشرين والحكام، والصلحاء والفقراء والمشايخ والزهاد، والعباد من جميع البلاد، والفقهاء والفضلاء والمدرسين، وأجواق القراء والحفاظ والمؤذنين، من العرب والعجم، والترك والديلم.

ومد سمطا عجيبة كبيرة، مع أطعمة غريبة كثيرة، بحيث لا يقدر لسان الإنسان على ذكر بيانه، أو كأن:

وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها

نازل في شأنه، أو نزلت مائدة من السما، على جميع من في الدنيا.

لما فرغوا من الطعام، وقرءوا كلام الملك العلام، وذكروا مولد سيد الأنام، عليه السلام، بالكمال والتمام، ألبس أعظم سلاطين الإسلام الخلع على الجميع، من الشريف والوضيع، وصار الحوش من مآثر الأولياء، وميامن بركات الأتقياء، ومن كثرة ازدحام الخلق، شبيها بموقف عرفات، بل بعرصة العرصات.

9

وأنعم عليهم إنعامات بلا غاية، وإحسانات بلا نهاية، (درر الكواكب، لو ما كانوا متوهمين أن يبخششهم مثل الليالي، على الأهالي الأعالي، لكانوا منتظمين في خزينته العامرة، والشمس والقمر، لولا كان خوف أن يفرقهم بدل النقدين، بوجه إنعامات القراء، لكانا منسلكين في ذخيرة القاهرة، الدر والدري، خافا من جوده فتحصنا بالبحر والأفلاك.)

10

وأنا كنت قاعدا في الدهيشة، في دهشة عجيبة من مشاهدات الرايات السلطانية، ومطالعات غرائب الألطاف السبحانية؛ لأني رأيت مجلسا لا عين رأت، وسمعت مولدا لا أذن سمعت، فخطر ببالي ما لم يخطر ببال أحد، وهو أنه يمكن بحسب تخيلات الشعر، وموجب تصرفات الفكر، تشبيه هذا اليوم بيوم الجزا، وتشبيه هذه النعمة بنعمة تجزى، وتشبيه الخيمة الزرقاء بسماء يوم الدين، وتشبيه قرب شمسه بقرب سلطان السلاطين، ولله المثل الأعلى في السموات والأرض، سبحانه منزه عن الشبه والنظير،

مجالس السلطان الغوري: صفحات من تاريخ مصر في القرن العاشر الهجري · الصفحة ٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجالس السلطان الغوري: صفحات من تاريخ مصر في القرن العاشر الهجريص ٢٢