ويتبين من تاريخ الغوري، ومن أقواله التي يتضمنها الكتابان: «نفائس المجالس» و«الكوكب الدري»، ومما كتبه الشريفي مترجم الشاهنامة، أن السلطان كان ذا حظ من العلوم الدينية: التوحيد والفقه والتفسير، مشاركا في علوم العربية: النحو والبلاغة وغيرهما، وأنه كان مولعا بقراءة كتب التاريخ والسير والقصص، وأنه كان ذا ملكة يتفهم بها الأدب وتزين له أن يشارك في النظم أحيانا، وأنه كان مولعا بالموسيقى والغناء، وكان له نظم وألحان يتغنى بها، وأنه كان يعرف لغات عدة.
وعناية السلطان بالعلم والأدب ومشاركته فيهما، وولعه بمطالعة الكتب، مهدت السبيل لمبالغة المادحين، وتخيل الشعراء، يقول الشريفي في خاتمة الشاهنامة:
نه سوز آكله علم ومعرفتدن
سن آنك عارفيسن هرجهتدن
دلك هر معرفتدن أولدي محظوظ
ضمير كدر صناسن لوح محفوظ «ما تذكر كلمة من العلم والمعرفة إلا أنت محيط بها، وقد أوتي قلبك حظا من كل معرفة، كأن ضميرك اللوح المحفوظ.»
ويقول:
نه فن أولسه سنك أنده ألك وار
نه يردن سوز آجلسه مدخلك وار
نجه مشكل كه أورلمز أكا أل
سن إيدرسن أنى إدرا كله حل
أكر إنشا أكر شعر وغز لدر
أكر علم وأكر بحث وجد لدر
كرورز طابك أنده بحر زاخر
سزوكه خلق حيران أول آخر
27 «لك يد في كل فن، ولك مشاركة في كل موضوع، وكم مشكل لا تناله الأيدي حللته بإدراكك، الإنشاء والشعر والغزل والعلم والبحث والجدل، كل هذا نراها فيك بحرا زاخرا، لقد تحير الخلق فيك.»
وفي مقدمة الكتابين الآتيين ما يبين عن غلو المؤلفين في مدح السلطان بالعلم وسعة المعرفة.
28
فأما مشاركته في العلوم الدينية، فدليلها في صفحات الكتابين لا تخلو منه بضع صفحات متتابعة، ولست في حاجة إلى التمثيل هنا؛ فحسب القارئ أن يلقي نظرة على بعض الصفحات، وفي الشاهنامة مدح السلطان بمعرفة الفقه والتفسير، وأنه يديم مطالعة التفاسير.
وأما مشاركته في علوم العربية فتدل عليها بعض المجالس؛ كالمجلس الثامن من كتاب النفائس،
29
والسؤال الذي في آخر صفحة 63 من الكوكب الدري.
وأما ولوعه بالتاريخ والسير والقصص؛ فقد أخبرنا به ابن إياس،
30
وقد أخبرنا به كذلك الشريفي مترجم الشاهنامة، يقول:
تواريخ وحكايا تيله أخبار
أقينر صحبتنده جمله تكرار «تقرأ في صحبته دوما التواريخ والحكايات والأخبار.»
ويقول في سبب ترجمة الشاهنامة: إن السلطان كان مولعا بالقراءة وعنده خزانة فيها ضروب الكتب، وكان فيها نسخة من كتاب الشاهنامة، فأمره بترجمتها إلى التركية إلخ.
وفي الكتابين اللذين نقدم لهما هذه المقدمة ما يصدق قول ابن إياس والشريفي، ومن أمثلة هذا ما في صفحة 66، 130 من كتاب النفائس، وفي الكوكب الدري أن إسماعيل الصفوي أهدى إلى الغوري كتاب تاريخ التتار.
31
وأما بصره بالشعر والغناء والموسيقى، وقدرته على المشاركة فيها؛ فقد أخبرنا بهما ابن إياس والشريفي مترجم الشاهنامة، ودل عليهما ما أثر من نظم السلطان وموشحاته.
فأما ابن إياس؛ فقد نقلنا آنفا قوله، وهو يعدد محاسن الغوري: «ومنها أنه كان يفهم الشعر ويحب سماع الآلات والغناء، وله نظم على اللغة التركية.»
32
وأما الشريفي؛ فقد قدمنا قوله في معرفة السلطان الشعر والإنشاء،
33
ونزيد هنا قوله في مقدمة الشاهنامة:
34
نه فن أو لرسه أند ندر خبير أول
هرايشده تكرى كسترمش آكايول
بلر شعر ومعمي فننى خوب
عزل إنشا إدر دركيبي مرغوب
نبيك مدحني توحيد باري
دمش كم كيدر إيشيدن قراري «ما كان من فن فهو خبير به، قد هداه الله في كل أمر طريقا، يجيد فن الشعر والمعمى، وله غزل مرغوب كالدر.
وقد قال في توحيد الباري ومدح النبي ما بلغ به الغاية.»
وفي كتاب النفائس ذكر موشحين من موشحات السلطان .
35
وبين أيدينا نماذج قليلة من نظمه، وعسى أن يهدي البحث إلى منظومات أخرى، وفيما يلي إجمال الكلام فيما لدينا من نظمه: (1)