وبينه وبين البحر ساحل ضيق لا يتجاوز عرضه ثلاثين ميلا، وهي قاحلة في كثير من جهاتها، قليلة المياه، ليس بها مجرى ماء دائم، ولا تنهمر عليها أمطار غزيرة كالتي تسقط على جبال الحبشة لقلة الجبال بها، وأن جبالها لا تعلو إلى مستوى الجبال العالية في الأقطار الأخرى.
وليس بها بحيرات ولا غابات كثيفة.
ومجاري المياه فيها أودية يسيل أكثرها عقب المطر، ثم يغيض ويترك المطر بها غدرانا ورياضا وقيعانا وأحساء وعيونا.
فالغدران جمع غدير وهو بركة يملؤها المطر.
والرياض جمع روضة وهي مجتمع ماء في مطمئن من الأرض، وربما تبلغ سعة الروضة في الجزيرة ميلا في ميل، وكثيرا ما ينبت عليها ضروب من العشب والبقول لا يسرع إليها الذبول.
وإذا كثر عشب الروضة والتف فهي حديقة.
وقد عد ياقوت من رياض العرب المعروفة زهاء مائة وأربعين، وقال:
والرياض المجهولة كثيرة جدا، إنما نذكر ههنا الأعلام منها، وما أضيف إلى قوم أو موضع تجاوره، أو واد أو رجل بعينه.
والقيعان جمع قاع، وهي أرض واسعة مستوية يستقر بها الماء أحيانا عقب المطر.
والأحساء جمع حسي، وهو حفرة ينكشف فيها الرمل عن ماء تسرب فيه إلى أرض صلبة تمنعه أن يغيض في الأرض؛ وسيأتي ذكرها في بلاد الأحساء. (1-1) الرياح والمطر
أكثر الرياح هبوبا في الشمال الريح الغربية، وعلى السواحل الجنوبية الريح الشرقية.
والصبا وهي ريح الشرق محمودة جدا في نجد، وقد أكثر الشعراء من ذكرها، وريح الشمال في الوسط والشمال باردة جدا. وقد تمدح العرب بالجود حين تهب هذه الريح:
لقد علم الضيف والمرملون
إذا اغبر أفق وهبت شمالا
بأنك ربيع وغيث مريع
وأنك هناك تكون الثمالا
وتهب في الصيف السموم، وهي ريح شديدة الحر مهلكة.
وقد أكثر العرب من تسمية الرياح، بين الرخاء والعاصف والهوجاء. وسموا الشمال والجنوب والصبا والدبور والريح النكباء، وهي التي تهب بين مهب ريحين أصليتين، كالتي تهب بين الصبا والجنوب مثلا.
وقالوا للريح التي لا تثبت على وجهة: الريح المتذائبة، كأنها تفعل معهم فعل الذئب، تأتيهم من جهات مختلفة.
ويضيق المجال عن توسعة الكلام عن الرياح وأثرها في معيشة العرب، وذكرها في كلامهم.
وأما المطر فهو حياة البادية، وفي انقطاعه هلاكها. من المطر تجري الأودية وتمتلئ الغدران، فيشربون ويسقون حيوانهم، ومن المطر ينبت المرعى للحيوان، فإذا حبس المطر في مكان، انتجعوا مكانا يلتمسون مواقع القطر، فإذا عم القحط هلك الناس أو أشرفوا.
ومن أجل ذلك سمي المطر رحمة وغيثا. وعني العرب بمعرفة الرياح الممطرة والرياح العقيمة، وعرفوا أوصاف الغمام الممطر والغمام الجهام، وافتنوا في تسمية السحب باختلاف ألوانها وأشكالها، وعددوا أسماء المطر باختلاف مقداره ومدته، فقالوا: الرذاذ، والطش، والطل، والوابل، والديمة، وهكذا.
وللعرب في المطر وأوصافه وأخباره شعر كثير ونثر.
ويغزر المطر على جبال اليمن والجبل الأخضر في عمان. وأغزر أمطار اليمن ما ينزل على الحافة الغربية ويمتد مائة ميل إلى الشرق، ويقل كلما اتجه إلى الشرق، والمطر الجود هناك يكفي لزراعة الصيف ولإمداد الجداول الدائمة الجريان التي تروي زرع الشتاء، وربما يستمر المطر شهرين في الجهات العالية مثل جهات صنعاء، وينزل في تهامة اليمن مطر في الشتاء أحيانا.
وفي شمالي الجزيرة ووسطها ينزل المطر في الشتاء بين تشرين الأول ونيسان (أكتوبر وأبريل) وهو قليل غير موقوت، وينقطع بعض السنين، وهي السنوات الشهب، وهذه السنوات تعد مصائب، فيقال: أصابتهم سنة. وفي القرآن الكريم:
ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات
وفي بعض أرجاء نجد ينزل المطر في ميعاد معلوم كل سنة.
وفي الطائف يهطل المطر في أواخر آب (أغسطس) ويدوم شهرا أو شهرا ونصفا، وكأن هذا منتهى الرياح الموسمية التي تهب من الجنوب الغربي، وتمطر على اليمن من حزيران إلى أيلول (يونيو إلى سبتمبر).