تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولم يسم العرب هذه الصحراء باسم جامع، ولكن سمى أهل كل قطر ما يليهم منها باسم خاص.

فطرفها الذي يمتد شرقي اليمن إلى الشمال والغرب من حضرموت يسمى صهيد.

والذي شمالي حضرموت وشرقيه يسمى الأحقاف، وهي في أخبار العرب مواطن قوم عاد، وقد ذكرها القرآن الكريم في الآية:

واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف .

والجانب الذي شمالي مهرة يسمى وبار، وفي أساطير العرب أن وبار أرض خصبة ولكن سكانها الجن، لا يدخلها أحد إلا أهلكوه. قال ياقوت:

ويزعم علماء العرب أن الله تعالى لما أهلك عادا أسكن الجن في منازلهم، وهي أرض وبار، فحمتها من كل من يريدها، وأنها أخصب بلاد الله وأكثرها شجرا ونخلا وخيرا، وأعذبها عنبا وتمرا وموزا، فإن دنا رجل منها عامدا أو غالطا حثا الجن في وجهه التراب، وإن أبى إلا الدخول خبلوه وربما قتلوه.

وهذه خرافة تمثل خوف العرب من هذه الصحراء، وهلاك من يضل فيها، وروي أنه في هذا الإقليم الإبل الحوشية، والعرب تزعم أنها من نسل الجن، ولا يبعد أن يكون العرب قد عرفوا في هذه الصقع إبلا وحشية لم تستأنس، وأنهم عرضوا إبلهم لها لتلقح منها.

قال شاعر:

كأن على حوشية أو نعامة

لها نسب في الطير أو هي طائر

وقال الجاحظ في كتاب الحيوان:

وزعم ناس أن من الإبل وحشية، وكذا الخيل، وقاسوا ذلك على الحمير والسنانير والحمام وغير ذلك، فزعموا أن تلك الإبل تسكن أرض وبار لأنها غير مسكونة؛ ولأن الحيوان كلما اشتدت وحشيته كان للخلاء أطلب. قالوا: وربما خرج الجمل منها لبعض ما يعرض، فيضرب في أدنى هجمة

13

من الإبل الأهلية. قالوا: فالمهرية من هذا النتاج.

وقال آخرون: هذه الإبل الوحشية هي الحوش، وهي التي من بقايا إبل وبار، فلما أهلكهم الله تعالى كما أهلك الأمم مثل عاد وثمود والعمالقة وطسم وجديس وجاسم، بقيت إبلهم في أماكنهم التي لا يطورها

14

إنسي.

فإن سقط إلى تلك الجيزة بعض الخلعاء أو بعض من أضل الطريق، حثت الجن في وجهه، فإن ألح خبلته.

فضربت هذه الحوش في العمانية، فجاءت هذه المهرية، وهذه العسجدية التي تسمى الذهبية، وأنشدني سعدان المكفوف عن أبي العميل قول الراجز:

ما ذم إبلي عجم ولا عرب

جلودها مثل طواويس الذهب

وقال ابن منظور في لسان العرب:

الحوش بلاد الجن من وراء رمل يبرين، لا يمر بها أحد من الناس. وقيل هم حي من الجن، وأنشد لرؤبة:

إليك سارت من بلاد الحوش

والحوش والحوشية إبل الجن، وقيل الإبل المتوحشة ... ويقال: إن فحلا من فحولها ضرب في إبل لمهرة بن حيدان، فنتجت النجائب المهرية من تلك الفحول الوحشية، فهي لا تكاد يدركها التعب. ا.ه.

وليس بعيدا أن تكون في تلك البقاع إبل وحشية قوية، تؤخذ وتذلل وتتخذ منها فحول الإبل، أو تخالط هي إبلا مستأنسة تلاقيها.

وأما خرافة الجن فمسايرة لخيال العرب الذي ينسب كل عجيب إلى الجن، كما جعلوا للشعراء جنا، وسموا الشيء العجيب عبقريا، وقالوا: إن عبقر أرض الجن.

وقد جعل الفرزدق وبار مثلا في غموض طرقها على السابلة، قال:

ولقد ضللت أباك يطلب دارما

كضلال ملتمس طريق وبار

وتسمى صحراء وبار الدهناء أيضا لحمرة رمالها، كما سميت الصحراء التي شرقي نجد. وقد روي أن هذه الصحراء صحراء وبار كانت مسلوكة، وكان تجار العرب يخترقونها إلى مرباط وظفار في مهرة، وقد عرف هذا إلى القرن السابع العربي.

وقسم الصحراء الكبرى الشمالي الشرقي يسمى يبرين، وفي يبرين واحة خصبة تمر بها طريق الحج من عمان، واشتهرت يبرين في الكلام العربي بكثرة رمالها.

وقد جاءت في شعر جرير:

لما تذكرت بالديرين أرقني

صوت الدجاج وضرب بالنواقيس

فقلت للركب إذ جد الرحيل بنا:

يا بعد يبرين من أرض الفراديس

وقال أبو زياد الكلابي:

أراك إلى كثبان يبرين صبة

وهذا لعمري لو قنعت كثيب

والجانب الممتد بين البحرين واليمامة يسمى عالجا، وهو معروف بكثرة رماله أيضا.

مهد العرب · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مهد العربص ٢٨