ولكن مفتقد الماء في المفازة لا يقصر به عن طلبه معرفة ما في البحار، ويجد في طلب ماء هذه الحياة قبل أن يقطعه المعاش بالاشتغال عنه، وتعوقه العلة والحاجة، وتحول الأعراض بينه وبين ما يتسرع إليه.
ولن يدرك هذا العلم مؤثر بهوى، ولا راكن إلى دعة، ولا منصرف عن طلبه، ولا خائف على نفسه، ولا مهتم لمعيشته إلا أن يتعوذ بالله ويؤثر دينه على دنياه، ويأخذ من كنز الحكمة الأموال العظيمة التي لا تكسد ولا تورث بميراث الأموال، والأنوار الجليلة، والجواهر الكريمة، والضياع الثمينة، شاكرا لفضله، معظما لقدره مجللا لخطره.
ويستعيذ بالله من خساسة الحظوظ، ومن جهل يستكثر القليل مما يرى في نفسه، ويستقل الكثير العظيم من غيره، ويعجب بنفسه بما لم يأذن له الحق.
وعلى العالم الطالب أن يتعلم ما لم يعلم، وأن يعلم ما قد علم، ويرفق بذوي الضعف في الذهن، ولا يعجب من بلاهة أهل البلادة، ولا يعنف على كليل الفهم
كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم .
سبحان الله تعالى عن أقاويل الملحدين، وشرك المشركين، وتنقيص الناقصين، وتشبيه المشبهين، وسوء أوهام المتفكرين، وكيفيات المتوهمين.
وله الحمد والمجد على تلفيق الكتاب المثنوي الإلهي الرباني، وهو الموفق المتفضل، وله الطول والمن لا سيما على عباده العارفين على رغم حزب يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، والله متم نوره ولو كره الكافرون، إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون، فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبيه محمد وآله وعترته الطيبين الطاهرين، وسلم تسليما كثيرا وحسبنا الله ونعم الوكيل.
المقدمة الفارسية المنظومة
يا ضياء الحق حسام الدين هات، ثالث الدفاتر فالسنة ثلاث مرات. افتح علينا كنز الأسرار، ودع في الدفتر الثالث الأعذار. قوتك من قوة الحق تخلق، لا من عروق بالحرارة تخفق. إن سراج الشمس المضيء، ليس بالفتيل والزيت يضيء. وسقف السماء الدائم، ما هو بالأطناب والعمد قائم. وليست بالطعام قوة جبريل، بل من رؤية الخلاق الجليل. وكذلك قوة أبدال الحق من الحق، لا من الطعام والطبق. وكذلك خلقت عيونهم من النور، ففاقوا الروح والملك البصير. إنك موصوف بأوصاف الجليل، فجاوز نار الأمراض كالخليل. النار برد وسلام، وإنما العناصر لمزاجك خدام. لكل مزاج أصل من العناصر، ومزاجك فوق كل درجة ظاهر. إن مزاجك من العالم المنبسط، فهو لصفات الوحدة ملتقط. وا أسفا لساحة أفهام الخلق، ضاقت وليس للخلق حلق
1
بحذق رأيك يا ضياء الحق الأغر، تهب حلواك حلقا للحجر.
2
أصاب حلقا يوم التجلي الطور، فشرب الخمر ولم يكن عليها بصبور.
3 (صار دكا منه وانشق الجبل
هل رأيتم من جبل رقص الجمل)؟
هبة اللقمة من الإنسان للإنسان، وإنما هبة الحلق للخالق الديان. يهب حلقا لكل جسم وروح واحدة، ولكل عضو منك على حدة. لتكون إجلالي العمل، بريئا من الزيف والدغل
4
فلا تفشي لأحد سر السلطان، ولا تريق الشهد للذبان. تتلقى أسرار الجلال الأذنان، ممن خرس كالسوسن وله مائة لسان
5
ويهب الحلق للتراب لطف الوهاب، ليشرب الماء وينبت مئات الأعشاب.
ثم يهب الحلق والشفة للحيوان، ليأكل العشب في كل مكان. فإذا أكل العشب سمن وتر، فصار طعام الإنسان لا مفر.
ثم يحور التراب أكال البشر، حين يفارقه الروح والبصر. وكم رأيت ذرات مفتحة الأفمام، إن أبين أكلها طال الكلام. له على الأقوات بالأقوات إنعام، وللمرضعات مرضعات من لطفه العام. ويهب الأرزاق أرزاقا كما يشاء، وإلا فكيف ينمو البر بغير غذاء؟ لا أرى لهذا الكلام انتهاء، قلت جزءا وأنت تعلم أجزاء. العالم كله آكل ومأكول، والباقيات مقبل ومقبول،
6
هذا العالم وسكانه منتشرون، وذاك العالم وقطانه مستمرون. هذا العالم وعشاقه إلى انقطاع، وأهل ذاك العالم للخلد والاجتماع. فالكريم من لنفسه أهدى، ماء الحياة الذي يبقى أبدا. الكريم هو الباقيات الصالحات، قد خلص من الأهوال والآفات. إن تكن آلافا فهي واحدة لا أكثر، ليست كالخيالات بالعدد تكثر.