تغنت بلسان «الشطء» حامدة، كل ورقة على حدة:
قد ربى أصلنا ذو العطا، حتى استغلظ الشجر واستوى.
61
والأرواح المرتهنة بالطين والماء، جذلة القلب حين تخلص من العناء.
ترقص في نور عشق الحق، كالبدر منيرة لا تمحق.
ترقص الأجسام والأرواح فلا تسل، كيف فرح الأرواح والجذل!
رمت الأرنب الأسد بالعطب؛ خزيا لأسد يعجز عن أرنب!
ومع هذا العار يا للعجب! يريد بفخر الدين أن يلقب.
62
يا أسدا في هذه البئر تردى! نفسك كالأرنب لك منها ردى.
أرنب نفسك لها في المرعى مجال، وأنت ثاو في بئر القيل والقال.
جاءت الأرنب تسعى في حبور (أبشروا يا قوم إذ جاء البشير)
بشرى بشرى أيها الجمع المنعم! إن كلب جنهم عاد إلى جهنم.
بشرى بشرى فعدو الأرواح المارق، حطم أنيابه قهر الخالق.
إن الذي حطم الهام بقبضته، قد قمه الموت بغرفته.
63
اجتماع الصيد حول الأرنب والثناء عليها
واجتمعت الوحوش كلها في زحام، في سرور وضحك وطرب وهيام.
تحلقن حولها وهي بينهن كالشمع، وسجدن وقلن لها أرعي السمع:
الوحوش :
أجنية أنت أم ملك سماوي؟ بل أنت عزرائيل كل أسد قوي: أرواحنا فداؤك ما حييت، حزت السبق، سلمت وحييت.
أجرى الحق هذا الماء في نهرك.
64
مرحى لعضدك! مرحى ليدك.
أبيني أبيني كيف مكرت به! هذا الجبار كيف بمكرك صرعته!
أبيني ففي القصة دواء الجراح، أبيني إنها بلسم الأرواح.
الأرنب :
إنه تأييد الله أيها الكبراء، وإلا فما أرنب على الغبراء؟
وهبني القوة وأنار قلبي، وأمد نور القلب رجلي ويدي.
من عند الحق يأتي التفضيل، ثم من عند الحق يكون التبديل.
ويداول الحق هذا التأييد، بين أهل الرجاء والبصر السديد.
نصح الأرنب الصيد ألا يفرحوا بهذا فإنه مجرد عون الحق لا بقوتنا
الأرنب :
بملك النوبة لا تسر، يا أسير النوبة لا تحسبن أنك حر.
65
الذي ملكه فوق النوبة ينظم، تضرب له النوبة فوق الأنجم.
أعلى من النوبة الملوك المخلدون، وهم مع الساقي أبدا ينعمون.
إن تتركن هذا الشراب قليلا ، نعمت بشراب الخلد سلسبيلا.
تفسير رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر
يا سادة قد قتلنا خصمنا الظاهر، وشر منه خصم السرائر.
قتله ليس من عمل العقل والنظر، وليس في قدرة الأرنب هذا الأسد المضمر.
نفسك جهنم، وجهنم تنين، لا ينقع بالبحار ولا يستكين.
تشرب سبعة الأبحر هذه المحرقة، ولا تنقص بالبحار لها حرقة.
يدخلها الأحجار والكفار، الذين قست قلوبهم كالأحجار.
ثم لا تسكن هذا الغذاء، حتى يأتيها من الحق النداء: هل امتلأت؟ فتقول: لا يا خلاق، هأنذا، وهذه الحرارة والإحراق.
التقمت عالما وبطنها يستزيد، صائحا إيه (هل من مزيد؟)
فيضع عليها الحق القدم من (لا مكان)، فتسكن حينئذ بأمر (كن فكان).
ونفوسنا هذه جزء جهنم، وطبع الكل في الأجزاء لا جرم.
وليست إلا قدم الحق تقتلها، ومن غير الحق يذللها؟
66
فاستقم كالسهم من القوس انطلق، فغير المستقيم من القوس لا يطلق.
قد فرغت من حرب العلانية، فتوجهت إلى الحرب الخافية. (قد رجعنا من الجهاد الأصغر)، مع النبي إلى الجهاد الأكبر.
أسأل الله القوة والتوفيق والإسعاف، لأقلع بالإبرة جبل قاف!
ليس أسدا من على الصفوف هجم، إنما الأسد من لنفسه حطم.
| هوامش
| مقدمة الجزء الثالث من المثنوي
المقدمة العربية
الحكم جنود الله يقوي بها أرواح المريدين، وينزه بها علمهم عن شائبة الجهل، وعدلهم عن شائبة الظلم، وجودهم عن شائبة الرياء، وحلمهم عن شائبة السفه، ويقرب إليهم ما بعد عنهم من فهم الآخرة، وييسر لهم ما عسر عليهم من الطاعة والاجتهاد.
وهي من بينات الأنبياء ودلائلهم، تخبر عن أسرار الله وسلطانه المخصوص بالعارفين، وإدارته الفلك النوراني الرحماني الدري الحاكم على الفلك الدخاني الكري كما أن العقل حاكم على الصور الترابية وحواسها الظاهرة والباطنة. فدوران ذلك الفلك الروحاني حاكم على الفلك الدخاني الكري، والشهب الزاهرة والسرج المنيرة والرياح المنشأة، والأراضي المدحية، والمياه المطردة نفع الله بها عباده وزادهم فهما. وإنما يفهم كل قارئ على قدر نهيته، وينسك الناسك على قدر قوة اجتهاده، ويفتي المفتي مبلغ رأيه، ويتصدق المتصدق بقدر قدرته، ويجود الباذل بقدر موجوده، ويقتني المجود عليه ما عرف من فضله.