لا بد إذن من أن تبين الغاية، ويبصر الناس بما ينفعهم وما يضرهم، حتى يخففوا من غلوائهم، فإذا دعاهم الإعجاب بالجديد إلى أن يأخذوا عن غيرهم كل شيء، وإذا أرادوا الخروج من عقائدهم وعاداتهم وسائر ميراث أسلافهم كلفا بالحرية، وجب أن يقال لهم: انظروا ما أنتم في حاجة إليه، وإياكم أن تحقروا آدابكم وقوانينكم ؛ فإن لكل أمة نظما ألفتها البيئة والأخلاق والأحوال الخاصة، وأيدها مر الزمان، فأصبحت مثالا لحياتها، لا تصلح في مكانها نظم أخرى، ولكل أمة عادات تحسن عندها ولا تحسن عند غيرها.
لا تحقروا ما أيدته التجارب، وهدى إليه الوجدان، فعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم. لا تخلطوا المدنية الصناعية بالمدنية الأخلاقية، فتتخذوا رقي أمة في صناعتها دليلا على رقي أخلاقها وآدابها، ولا تجعلوا فقركم في الصناعة والوسائل المادية برهانا على فساد أخلاقكم وآدابكم، فبين الأمرين فرق عظيم. خذوا من المدنية الصناعية ما استطعتم؛ فإنها نتيجة القوانين الطبيعية التي لا تختلف باختلاف الزمان والمكان. أما المدنية الأخلاقية التي تستمد من التربية والتعليم، ومن خواص الشعوب والأجناس، وتاريخ الآباء، وآثار البيئة، فكونوا من أمرها على حذر، وأكثروا فيها النقد والتمحيص، وإياكم أن تأخذوها كما هي، فتكونوا كمن لبس ثوبا لم يفصل على جسمه، أو كالغراب الذي حاول مشية القطا.
يقال: إن اليابان التي نافست أوروبا حتى زاحمتها في التجارة والصناعة والعلم، ووقفت أمامها بأسلحتها، لم تزل مستمسكة بأخلاقها وعاداتها اليابانية، تزدري كل من يهجر عاداته إلى عادات أوروبا. وقد نرى الهند والصين على اعترافهم بفضل أوروبا في علوم الطبيعة لا يسلمون لها بالسبق في الفلسفة والتربية والأخلاق.
لا بد من النقد وتمييز الخبيث من الطيب، وإلا سارت الأمة في طريق محفوف بالمصاعب، وكانت سيئاتها أكثر من حسناتها.
فإذا عرفت الغاية واستبانت، فلا بد من النظر في الوسائل، فقد يشرق الإنسان وهو يريد أن يغرب إن لم يستوثق لنفسه. وانظر أمة أرادت تعليم أولادها مثلا، فأكثرت المدارس العالية، وأهملت المكاتب الأولى، فإنها لا تصل إلى ما تريد، وكذلك أمة تقصر جهدها على الشكل، ولا تهتم بتجارتها وصناعتها ونحو ذلك من شروط الحياة الصحيحة.
حتى إذا عرفت الغاية، واختيرت الوسائل، جاء وقت العمل، ولا بد له من الدأب والصبر، حتى ينجح السعي ويحمد الكد، وإلا ضاع الزمن بين الإقدام والإحجام، وسارت كل طائفة مراحل من الطريق ثم وقفت، فتستأنف السير طائفة أخرى تقف حيث وقفت الأولى أو قريبا منها، فإذا جهد كثير ضائع، وسعي غير نافع، وإذا الأمة لا تزال في أول الطريق.
إذا عرفت الأمة الغاية والوسيلة، ثم عملت واستمرت، وصابرت وصبرت، فلن يقوى أحد على أن يصدها في طريقها، أو يعوقها عن غايتها، ومن ذا الذي يعطل القوانين الطبيعية، أو يبطل السنن الاجتماعية؟ بل من يمنع النتيجة إذا تمت المقدمات، ويحول دون الغاية إذا وضح الطريق، وأزيلت العقبات؟
سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا .
| الإخوان1
من لي بقوم من الإخلاص طينتهم
لدى الشدائد والسراء إخوان؟
قد حالفوا الحق لا يخشون لائمة
في الله ثبتهم في الحق إيمان
إذا تنكر جبار لهم خشنوا
وإن تعرض مسكين لهم لانوا
قرت بهم رجفات الدهر واتسقت
للعقل والعدل والإحسان أركان
من كل أروع ملء الدهر عزمته
وهمه في ضمير الدهر أشجان
ترى الهموم به الأهوال معتزما
يفوت ظن الردى والموت خزيان
مرزأ يتلقى الرزء منصلتا
تنشق عنه من الأهوال أجفان
فذلك الطود يجري حوله نهر
من الخطوب له بالناس طغيان
يزل عن سفحه الآذي مصطخبا
وما يلين لمر الماء صوان
فاتت مآرب أهل الذل قمته
فما يذلله نيل وحرمان
كأنه إذ يناجي ربه فرحا