تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رفع ديوجين رأسه إلى الإسكندر فلم ير إلا ظلا سقط عليه، فحرمه ضوء الشمس، حرمه متاعا منحه الله الناس جميعا، ولم يجعل للملوك سلطانا عليه.

فلما قال إسكندر العظيم: ما حاجتك يا ديوجين؟

قال ديوجين الذي لا يملك شيئا ولا يملكه شيء: حاجتي أن تذهب فلا تحجب عني ضوء الشمس!

| النهضة1

نهضة الأمة: انتباهها من غفلتها، وانتعاشها من كبوتها؛ للتفكير في حالها، والنظر إلى مآلها، ونقد سيرتها، والبحث عن عيوبها، وتعرف نقائصها، وقياس ما بينها وبين الكمال؛ لتتجه نحو الغاية المرجوة، وتعد الوسائل المؤدية إليها.

وهي طور من الأطوار التي تنتاب الأمم في سيرها مع قوانين الاجتماع، وخضوعها للسنن الإلهية، لا ترى أمة تستمر بها الغفلة، ولا أمة تمتد بها اليقظة على مدى الأيام: حياة وموت، وشباب وهرم، وارتقاء واستفال، وصعود وانحدار، ولكن الأسباب تعجل بنهضة أمة أو تعوقها، وتواتيها أو تعاندها.

وللنهضة أسباب داخلية وأخرى خارجية تتعاون على إنتاجها، ويكمل بعضها بعضا، وقد تكون إحداهما أبين أثرا، وأوضح مظهرا.

فمن الأسباب الداخلية نبوغ المصلحين الذي يريدون بعزائمهم تغيير حال الأمة، وسوقها في طريق الكمال. وهذا النبوغ من علامات النهضة ومن أسبابها، فهو أثر لحال جديدة خالطت نفوس الأمة، ومؤثر شديد في هذه النفوس، ومنها نظام الحكم، وأسلوب التعليم، وحال الزراعة والصناعة والتجارة، وهلم جرا، وأوضح ما يكون هياج الأفكار، ونزوع النفوس إلى الإصلاح حين تبلى الأمة بضلال السيرة، واختلال النظام، وتمنى بمصائب تأخذ عليها طريقها، وتلفتها إلى ما تعانيه من شقاء، وتشعرها بالألم على كثرة ما تحملته، وبمرارة الظلم على طول ما ألفته، وحينئذ يفكر الناس: فيم هذا العيش؟ وإلى أين؟ ولماذا يحملون هذه الأعباء؟ وبأي حق يساسون بهذه السيرة؟ فتبدأ في النفوس سلسلة من الأفكار تنتظم أمور الأمة جميعا، فإن الفكر إذا تنبه لا يقف في طريقه شيء، وحينئذ يكون ميزان الأعمال العقل لا العادة.

وقد تأتي بذور النهوض من الخارج، وذلك باختلاط الأمم ونظر بعضها إلى بعض، فيكون بينها من التقليد والغيرة والتنافس ما يكون بين الأفراد، كما كانت الحرب الميدية بين الفرس واليونان مقدمة لعصر أثينا الذهبي «عصر بركليس»، وكانت الحروب الصليبية من أسباب مدنية أوروبا الحاضرة، وكما كان سيل الأوروبيين على المشارقة في هذا العصر مثيرا لهذه الحركات التي تناولت كل أساليب الحياة في الشرق، بينما تكون الأمة راضية بما عندها ، ترى عند غيرها ما يخالف عاداتها وأخلاقها وعلومها وآدابها، فتبتدئ القياس والموازنة، وتشرع العقول تفضل بعض المختلفات على بعض، وذلك يقتضي أن تنظر إلى غاية في الحياة، يكون بها الترجيح والتفضيل، فيكون الرجوع إلى هذه الغاية، لا إلى العادات الموروثة.

ومن علامات النهوض كثرة التفكير، وشدة الخلاف، والدعوة إلى العمل مقرونة بالحجة، وتمحيص البراهين المختلفة.

والحياة البشرية لا بد لها من قوانين ترشد العاملين، وعادات يتفق عليها الناس، حتى لا يضطر الإنسان إلى التفكير والترجيح كلما هم بعمل صغير أو كبير فيذهب وقته ضياعا. ومن أجل ذلك كان عصر النهوض الذي يهدم القواعد ولا يبالي بالعادات عصرا ملؤه الحيرة والشك والملل والانقباض. وقد كان القرن الثامن عشر الميلادي في أوروبا عصر هياج وتمرد وقلق، حتى أنتج الثورة الفرنسية الكبرى، وكانت الأمة العثمانية قي القرن الأخير مجالا للنزاع والجدال، حتى كانت ثورة الدستور، ولا تزال الأمة في تقلب؛ ومن أجل ذلك كانت الأفكار المصرية في هذا العصر كثيرة التناقض والتنافر، والنزاع بين القديم والحديث، وهلم جرا.

فإن لم يكن للأمة في هذا الطور قواد مرشدون، ومصلحون قادرون، كان من وراء هذا الاضطراب شر مستطير. والنهضة إن لم يهدها الحزم، ويهذبها الفكر، فقد يربو شرها على خيرها. لا بد لكل نهضة من فكر يثبت خطاها حين تهيج العواطف، ويبين للأمة قصد السبيل حين تركب العزائم الجامحة كل مركب خشن، وتنزع بالنفوس الثائرة هموم لا تبالي بالعواقب، وحين يغلو الناس في الخروج على العادات، والنفور من النظم حين يرونها قيدا لإرادتهم، ويفكرون فيما أنتجته من سيئات، فيندفع واحدهم كالحصان الأرن عالج رباطه حتى قطعه، فذهب في الأرض طلق الجموح.

الأوابد · الصفحة ٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأوابدص ٨٧