وألسنة الأكوان إن كنت واعيا
شهود بتوحيدي بحال فصيحة
وإن عبدوا غيري وإن كان قصدهم
سواي وإن لم يظهروا قصد نيتي
1
عبدة الأصنام عبدوك من وراء حجاب، وتوسلوا إليك بالأسباب، والساجدون للنار تهافتوا على ضيائك، وهرعوا إلى ثنائك. قدسوك في إحدى آياتك، وعظموا لك إحدى علاماتك، وعباد الكواكب اهتدوا بالنجوم إليك، فسبحوا لها وإنما ثناؤهم عليك. أنت أنت القصد وإن جاروا، وأنت أنت المعبود وإن حاروا. وكهنة طيبة ومنف أشادوا بذكرك، وجهدوا أن يقدروك حق قدرك، وبابل في زيغها لم تكن إلا بابا لك،
2
ونينوى في وثنيتها كانت معبدك. أقاموا من أجلك التماثيل، ولاح لهم نورك من خلال الأباطيل، واليونان ألهوا آثارك، وأكثروا أسماءك. وما أثينا وزوس وأبولون إلا رموز حكمتك وقدرتك وعلمك وعظمتك. ألفاظ شتى لمعنى موحد، وصور شتى لجوهر فرد، كالماء نبت منه الحلو والمر، والعقيم والمثمر، ودل عليه النجم والشجر، والشوك والزهر.
رب! وهل رتل البراهمة إلا فرقانك، وطلبوا في الكهوف إلا عرفانك؟ وهل انفتحت عن بوذا زهرة الكنج إلا لذكرك؟
3
وهل هجر العالم إلا لوجهك؟ وهل أملى كونفشيوس إلا تعليمك؟ وهل أراد زردشت إلا ذكرك؟ وهل ضمن كتاب الأبستاق
4
إلا حمدك؟ يزدان وأهرمن رمزا نورك وظلالك،
5
وهدايتك وإضلالك. •••
رب! وموسى إذ لاح له ضياؤك في الغلس، وخلع نعليه في الوادي المقدس، لمع له بصيص في الطور فاهتدى، ودعا الناس إلى الهدى. بنورك ضرب بحر الظلمات فانفلق، ثم بهره جلالك فصعق. وعيسى أمددته بروحك وبرك، وأطلعته على ذرة من مكنون سرك، ومحمد خاتم أنبيائك، وصفي أصفيائك، آنسه ذكرك في الغار، فرأى في الظلمات النهار، فأملى دينك وفرقانك، وأوضح محجتك وبرهانك، وترك على الدهر أثرك الأغر، ودينك الأبر. رب! ومن وراء ذلك سرك المكنون، وحماك المصون.
أنقذنا من الحيرة بهديك، واهدنا إلى جنابك برحمتك. اللهم منك وإليك، أنت الأول والآخر، والظاهر والباطن.
| إلى الرسول الكريم
في عيد مولده
مضت عشر وأربعمائة وألف سنة منذ ظهر في الجزيرة العربية نجم الصباح بشيرا بطلوع الشمس، منذ طلع الكوكب المبشر بالغيث في الأرض المجدبة، منذ ولدت الأرض منبع النهر الذي فاض على الناس بالخير والبركة ولا يزال فياضا، منذ سطرت في سجل الأيام بسملة سيرة عظيمة، منذ كتبت على صفحات الزمان فاتحة كتاب دفتاه المشرق والمغرب، وصفحاته تاريخ البشر في أروع وقائعه، منذ خط الله القدير على أرض الجزيرة عنوان أعظم فضل في تاريخ البشر، منذ ولدت الخليقة قانونا من قوانينها في صورة طفل، منذ استهل هذا الطفل الفقير في دار من دور قريش بمكة، منذ ولدت آمنة بنت وهب محمد بن عبد الله.
لم تضرب البشائر لمولده، ولا سارت الأنباء، ولا تطايرت التهاني، ولا اجتمعت المحافل، ولكن الله - سبحانه - كان يعلم ماذا أخرج من غيبه، وماذا وضع على أرضه. كان الله وحده يعلم أن قد ولد الرجل الذي أعده ليعلي التوحيد ويضع الوثنية، ويعز الحق ويذل الباطل، وينصر الخير ويخذل الشر، ويمحو العبودية ويثبت الحرية، ويزلزل الجبارين، ويثبت الضعفاء والمساكين، ويبطل التمييز بين الناس، ويشيع المساواة بينهم، ويحقر الأحساب والأنساب، ويعظم العمل الصالح، ويحطم العصبيات ويدعو إلى الأخوة العامة.
كان الله وحده يعلم أن قد ولد الرجل الذي يخرج الحق من الصوامع والمعابد إلى معارك الحياة، ويقيم البر بألسنة الملوك وأيديهم بعد أن كان تعلة الفقراء والمساكين، ويقف الملوك في صفوف الصلاة بعد أن كانوا في صفوف الآلهة، ويجعل الحياة جهادا دائبا للحق والخير، ولا يضعف ولا يفتر، ويري الناس كيف يجتمع الحق والقوة، ويلتئم الملك والنبوة.
يا رسول الله! أين نحن اليوم من شريعتك؟ وأين مقامنا من دعوتك؟ وأين سيرتنا من سنتك؟