ويجد القارئ إلى جانب المقاصد الإنسانية الشاملة، نزعات إسلامية، وأخرى عربية، فلا يحسبن هذا تناقضا في الرأي واضطرابا في الوجدان، إنما هي صور من الجمال والحق والخير ومكارم الأخلاق، تتجلى في الخليقة كلها أحيانا، وتتمثل في تاريخ الإسلام ومآثر العرب أحيانا، ولن ينقص الحق أن تحد زمانه من تاريخ الإنسان، أو مكانه في مواطن البشر، كما لا ينقص النهر الذي يفيض على أقطار شاسعة بالري والخصب أن تبين منبعه، ولا يحد الضياء الذي يغمر العالم أن تعين مصدره.
وقد سميته «الأوابد» لحسباني هذه الأفانين من الكتابة غريبة في موضوعها وأسلوبها؛ ولأنها لبثت حقبة مهملة شتيتة في أوراقي، فكانت في هذين الوصفين كالأوابد من الحيوان التي تعزب عن البشر، وتنفر من الحضر، وتعيش متأبدة في الفيافي. ولا أزعم أنها من أوابد الكلم، وهي التي لا تشاكل جودة، كما يقول الزمخشري.
وبعد، فلا أقول شيئا في طرائق هذه المقالات ومزاياها، ولكن أدع للقارئ رأيه حرا، وحسبي أنها بيان صادق عن عقلي وقلبي، وأني أردت بها الحق والخير، وابتغيت وجه الله، وهو حسبي وكفى.
جمادى الآخرة سنة 1361ه
تموز سنة 1942
| مقدمة الطبعة الثانية
الله نستعين، ومنه نستمد نور العقل، وصواب الفكر، وطهارة القلب، ونسأله الهدى إلى العلم، والتسديد إلى الحق، والتوفيق للخير. •••
أما بعد، فهذه «أوابد» من الكلم المنثور، بينها قليل من المنظوم، نشر بعضها قبلا في كتاب «الأوابد» وبعضها لم ينشر.
وكان ينبغي أن تقدم إلى القراء منذ سنين حين نفدت طبعة الأوابد الأولى، ولكن حالت الأسفار والشواغل، كما حالت دون إشرافي على الطبع، ففات الضبط كلمات وددت لو شكلت، فأعفي القارئ من عناء النظر فيها لضبطها.
وإني لشاكر لإخوان حملوا عني تعب المراجعة، واحتملوا عناء التصحيح، وأخص الأخ الأديب الأستاذ مصطفى السقاء.
وقد حالت غيبتي كذلك دون سلك كلمات أخرى في الكتاب، لعلها توضع في الطبعة الآتية مع أمثال تنشأ من بعد.
ولو استقبلت من طبع الكتاب ما استدبرت لحذفت كلمات ثلاثا لا أجدها على شرط الأوابد: كلمة قصيرة ارتجلت على قبر الزهاوي شاعر العراق، وهي أقصر من أن تسلك في الأوابد، والكلمة التي عنوانها «النشر في مصر»، والأخرى التي عنوانها «النهضة»؛ فهما على جودتهما ليستا من جنس الأوابد في موضوعهما.
ومهما يكن فهذه كلمات صادقات أردت بها الحق والخير والصلاح، ولعل القراء يتلقونها بما تلقوا به الطبعة الأولى من قبول وإقبال.
والله نسأل الإخلاص في الفكر والقول والعمل، وحسبنا الله.
عبد الوهاب عزام
أول ذي الحجة 1369ه
13 أيلول/سبتمبر 1950
| مناجاة
رب! سبحت لك الخلائق في الأزل، ونطقت بذكرك منذ الخلق الأول، ودارت الأفلاك بحمدك، وسطعت الكواكب بنورك، وسار القمران ثناء عليك، وتعاقب الملوان تقديسا لك، وهبت الرياح بنفحاتك، وتلألأ البرق من سبحاتك، وسار السحاب بقدرتك، وهطل الغيث برحمتك، وتلاطمت البحار في جلالك، واطردت الأنهار من نوالك، والجبال راسيات بأمرك، مائلات لحكمك، والغابات رائعة بجمالك، مورقة بأفضالك، والرياض سطور نظامك الباهر، وإبداعك القادر، والطير ألسنة حمدك وشكرك، ونغمات مزاهرك، وأناشيد مآثرك.
أنت لهذا النظم بيت المطلع
وأنت أنت فيه بيت المقطع
والحيوان الأعجم مسير بإلهامك، شاكر لإنعامك، سائر بهديك، ناطق بذكرك، مسبح بحمدك
تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده .
رب! والإنسان صنعك الرائع، وبرهانك القاطع، روح الخليقة المشوق إليك، وبصرها الطامح نحوك. رأى نورك فسار، وبهره جلالك فحار. أنت قصده وإن ضل، وطلبته حيثما حل، يبين عنك قاصدا أو معتسفا، وينطق باسمك صحيحا أو محرفا، وينشد شعرك موزونا أو مضطربا، ومعجما أو معربا: