تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد جعل الله هذا البيت مثابة للناس وأمنا، حرمه وحرم البلد الذي هو فيه، وحرم أرضا حول هذا البلد، جعلها أمنا للإنسان والحيوان الأعجم والنبات، فزائر هذا البيت في حرمات مضاعفة، وقدسية موكدة، وأمن مظاهر. وقد جعل حول الأرض المحرمة مواقيت يحرم منها القاصد إليها، فيتحرر من اللباس والزينة حتى لا يمتاز قوم من قوم، ولا غني من فقير؛ ليدخل الناس إلى هذا الحرم ثم إلى هذا البيت أمة واحدة تعبد إلها واحدا، اتحدت ظواهرها وبواطنها، وعقائدها وعواطفها، واجتمعت على البر أيديها وألسنتها وقلوبها وأعمالها، وإن في ذلك لآيات.

وتؤم وفود المسلمين هذا البيت الذي اتجهوا إليه على بعد الديار، فيرون قبلتهم عيانا، وبيتهم جهرة، يصلون حوله في كل جهة، قد امحت المسافات والجهات، فهم عند هذا البيت كإبر المغناطيس إذا بلغت قطبها، تدور في كل جهة، لا شمال ولا جنوب ولا شرق ولا غرب. ومن دخل البيت صلى في مكانه إلى كل الجهات؛ إذ بلغ المركز الذي تتجه إليه وجوه المسلمين وقلوبهم في الأقطار كلها، مركز الدائرة التي تجمع المسلمين على العقائد الحقة، والعمل الصالح، والخلق البر، والجهاد لخير الدنيا والآخرة، والأخوة والمودة. إنها الوحدة المحسة، والأخوة المجسمة، والمحبة الممثلة، لا يعرف لها حاضر البشر مثيلا، ولا يذكر لها ماضيهم نظيرا.

ما أبصرت هذه الكعبة الكريمة إلا تخيلت بناء من العقيدة المحكمة، والتوحيد الخالص، وإلا تمثلت أدعية الداعين في المشرق والمغرب، وآهات الضارعين بالليل والنهار تهوي عليها، وتطيف بها في الغدو والآصال والبكر والأسحار، مع أنفاس الطائفين، ومع أشعة الشمس والقمر ونسمات الهواء.

وما طفت حولها إلا تمثلت هذه الدائرة الإسلامية الجامعة تدور حول هذا المركز الحق الذي لا يتبدل ولا يتغير.

وكم عبرة وذكرى في هذه الوجوه الطائفة، بل القلوب الخائفة، بين غني وفقير، وقوي وضعيف، وقادر وعاجز! أغناهم في هذا المقام أفقرهم، وأقواهم أضعفهم، وأقدرهم أعجزهم، بل لا غني ولا فقير، ولا قوي ولا ضعيف، ولا قادر ولا عاجز. إخوة متساوون، وجماعة موحدون، وأفراد على الحق يجتمعون، قد امحت بينهم الفروق، وضلت الأشخاص والأعداد، وبقي الخضوع لله الواحد القهار.

إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون .

| الحج

وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق .

ما يزال هذا الأذان مدويا في الآفاق، تصيخ إليه الآذان، وتستمع إليه القلوب، فتستجيب له أقطار الأرض باعثة بأفواجها تفيض بهم السبل، ويحملهم البر والبحر والهواء صوب الأرض المقدسة، شطر القطب الذي إليه تتوجه قلوب المسلمين، نحو مركز الدائرة الإسلامية الذي يدور حوله المسلمون وإليه ينتهون. •••

ما يزال هذا الأذان مدويا يجلجل في جوانب الأرض، فتصيخ إليه الآذان والأفئدة، وتستجيب أفواج البشر ميممة أرض الحجاز، وما تزال هذه الدعوة مستجابة تهفو بها أفئدة المسلمين إلى هذه البقعة المباركة من هذه الجزيرة العظيمة جزيرة العرب.

هذه البواخر تمخر في اليم من أرجاء الأرض مشتاقة إلى الحرمين لا تبعد عليها غاية، ولا يثني من عزائمها هول.

وهذه الطائرات في أجواز الفضاء كالطير مسخرات في جو السماء تطير بالشوق والحب إلى مهوى الأفئدة ومطمح الأبصار.

وهذه السيارات تخد البراري والصحاري، تشق سهلها وحزنها، وعامرها وغامرها، وجردها ووعثها، تذلل ما صعب، وتقرب ما بعد. عليها وفود البيت الحرام يجوبون الفلوات، ويحتملون المشقات، ويستسهلون كل صعب إلى مقصدهم العظيم.

ثم هؤلاء المؤمنون الصابرون، أولو القوة والعزم، وأهل الجلد والصبر الذين لا يجدون ما يحملهم فتحملهم عزائمهم، ويحملون أوزارهم وهمومهم

آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا ، غير مبالين بالشقة البعيدة، والفيافي القاحلة، هازئين بالجوع والعطش، والحر والبرد، والنصب والجهد. إيمانهم وآمالهم وعزائمهم أوسع من كل صحراء، وأثبت من كل هول، وأحر من كل بيداء محرقة. تراهم في السبل يحملون أزوادهم راجلين بالليل والنهار لا يفكرون في شيء ولا يبالون بشيء إلا المقصد العظيم، والغاية الجليلة التي خرجوا إليها. إنه الإيمان الذي لا يتزعزع، والعزم الذي لا ينثني، والصبر الذي لا يقهر. •••

الأوابد · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأوابدص ١٩