تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون .

ويقرأ في الركعة الثانية آيات من سورة الحج منها:

إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور * أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير * الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز * الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور .

هذه جماعة يمحصها الله ليورثها أرضه، ويعلمها لتقوم بين الناس بعدله. هذا الصف من العباد يجمع خلفاء الأرض وأمراءها وولاتها وقضاتها ومعلميها وقوادها وجندها، تلك الشرذمة من الزهاد ورثة العروش والتيجان عما قليل، يقسم الله رزقه بأيديهم، ويصرف حكمه في الأرض بألسنتهم. جماعة تضمهم جدر المسجد اليوم، ولا يسعهم العالم غدا، جماعة تحويهم أرض ضيقة بين لابتين، ينتشرون بين المشرقين والمغربين، وستجف الأرض بحملاتهم، وتقر بعدلهم، وتضيء بإيمانهم.

قضيت الصلاة وانتشر المصلون. •••

لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، قد فتحت بهذه الجماعة الأقطار، وعمرت بهم الأمصار. هذا عمر في الشام قد أزال عنها سلطان الروم، ثم جاءها ليبرم العهود ، ويتفقد الرعية، وهذا بلال في جيش المجاهدين غازيا، ينظر عمر إلى بلال يود أن يسمع أذانه، ويهاب أن يستمع لمؤذن رسول الله، ويقول الناس لعمر: لو أمرت بلالا أن يؤذن! فيقترح عمر على بلال الأذان، فينهض الشيخ ابن السبعين تحت أعباء السنين، فيدوي في الأرجاء: الله أكبر، الله أكبر.

لقد كان أذان الشام تصديق أذان المدينة، أجل أجل، لقد صدق الله وعده ففتحت الجماعة الصغيرة الممالك، ودوى أذان المدينة في الآفاق.

ولكن انظر إلى عمر، ألا تراه ينشج؟ ألا ترى دموعه تبل لحيته؟ ألا ترى القوم في بكاء ونحيب؟ فما أبكاهم؟ لقد نصرهم الله، ومكن لهم في الأرض وأغناهم وأعزهم، فما دهاهم؟ وما أبكاهم؟

يبكون إذ رأوا المؤذن ولم يروا الإمام، يبكون إذا سمعوا مؤذن رسول الله، ثم نظروا فلم يجدوا رسول الله.

| الكعبة

هذه البنية المكرمة، هذا البيت المعظم، هذه الكعبة المشرفة لا يعرف لها تاريخ البشر مثيلا، بيت فيه أمارة التوحيد الخالص والحنيفية السمحة، خلا من الأوثان والأصنام والصور والزخارف والنقوش، وقام رمزا لتوحيد الله، ولاتحاد المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. تهفو إليه أفئدة المؤمنين حيثما كانوا، وتخفق له قلوبهم أينما حلوا، وتتوجه إليه قلوبهم أنى توجهوا، فلو أن بيتا صور من سواد العيون أو سويداوات القلوب لكان هذا البيت الكريم. لا تمر ساعة من ليل أو نهار إلا وآلاف الآلاف من الوجوه والقلوب متوجهة إلى هذا البيت، مرتفعة إلى ربه قراءتهم وتسبيحهم، مرسلة إليه آمالهم وآلامهم، كذلك هو منذ أوحى الله إلى نبيه دينه، ودعا النبي إلى هذا الدين، واستجاب المسلمون لهذه الدعوة، فهل يعرف بيت آخر على هذه الأرض، وعلى طول التاريخ، تطمح إليه الأبصار، وتوجه إليه الأفئدة بضراعتها ودعائها واستغفارها، وبرجائها وأملها في كل زمان وفي كل مكان؟

إن كل مغناطيس على الأرض يتجه إلى القطب أبدا، إن أدرته عنه دار إليه، وإن صرفته جهد طاقتك لم ينصرف عنه، وإن أحطته بآلاف الحجب فهو موصول به نازع إليه، فما أشبه قلوب المسلمين في توجهها إلى الكعبة بالإبر المغناطيسية التي تتجه إلى قطبها ليل نهار على بعد الأقطار، واختلاف الأمصار، وشتان بين القلوب النابضة والإبر الجامدة. •••

الأوابد · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأوابدص ١٨