شربت على الماءين من ماء كرمة
فكانا كدر ذائب وعقيق
على قمري أفق وأرض تقابلا
فمن شائق حلو الهوى ومشوق
فما زلت أسقيه وأشرب ريقه
وما زال يسقيني ويشرب ريقي
وقلت لبدر التم تعرف ذا الفتى
فقال نعم هذا أخي وشقيقي
وهذه الأبيات من أملح الشعر وأطرفه، والبيت الأخير منها يستمد من معنى قول أبي بكر محمد بن عيسى الداني المعروف بابن اللبانة الأندلسي في مدح المعتمد بن عباد صاحب إشبيليه من جملة قصيدة طويلة:
سألت أخاه البحر عنه فقال لي
شقيقي إلا أنه الساكن العذب
ما كفاه أنه جعله شقيق البحر حتى رجحه عليه فقال: الساكن العذب والبحر مضطرب مالح، وهذا من خالص المدح وأبدعه، وأول هذه القصيدة:
بكت عند توديعي فما علم الركب
أذاك سقيط الطل أم لؤلؤ رطب
وتابعها سرب وإني لمخطئ
نجوم الدياجي لا يقال لها سرب
وهي قصيدة طويلة، وللخطيب أيضا:
فمن يسأم من الأسفار يوما
فإني قد سئمت من المقام
أقمنا بالعراق على رجال
لئام ينتمون إلى لئام
وقال الخطيب: كتب إلي العميد الفياض:
قل ليحيى بن علي
والأقاويل فنون
غير أني لست من يك
ذب فيها ويخون
أنت عين الفضل إن
مد إلى الفضل عيون
أنت من عز به الفض
ل وقد كاد يهون
فقت من كان وأتعب
ت لعمري من يكون
قد مضى فيك قران
ومضى قبل قرون
وإذا قيس بك الكل
فصحو ودجون
وإذا فتش عنهم
فالأحاديث شجون
قد سمعنا ورأينا
فسهول وحزون
ووزنا بك من كا
ن فقيل وقيون
أين شيبان وأزد
كل ما زال ظنون
إنك الأصل ومن دو
نك في العلم غصون
إنك البحر وأعيا
ن ذوي الفضل عيون
ليس كالسيف وإن حل
في الحكم جفون
ليس كالقدح المعلى
ليس كالبيت الحجون
ليس كالجد وإن آ
نس هزل ومجون
ليس في الحسن سواء
أبدا بيض وجون
ليس كالأبكار في اللط
ف وإن راقتك عون
قلت للحساد كونوا
كيف شئتم أن تكونوا
سبق الزائد بالفضل
فعزوا أو فهونوا
دمت ما خالف في
الحد حراك وسكون
وتلقاك المنى ما
قر بالطير الوكون
إن ودي لك عما
يصم الود مصون
ليس لي فيه ظهور
تتنافى أو بطون
بل لقلبي فيك صب
بالمصافاة يكون
غلق الرهن وقد تغ
لق في الحب رهون
ومن الناس أمين
في هواه وخئون
وقال ابن الجواليقي: قال لنا شيخنا الخطيب أبو زكريا: فكتبت أنا إلى العميد الفياض المذكور هذه الأبيات:
قل للعميد أخي العلا الفياض
أنا قطرة من بحرك الفياض
شرفتني ورفعت ذكري بالذي
ألبستنيه من الثنا الفضفاض
ألبستني حلل القريض تفضلا
فرفلت منها في علا ورياض
إني أتيتك بالحصى عن لؤلؤ
أبرزته من خاطر مرتاض
وبخاطري عن مثل ذاك توقف
ما إن يكاد يجود بالأبعاض
العارض البحر الغطامط جدول
أم درة تنقاس بالرضراض
يا فارس النظم المرصع جوهرا
والنثر يكشف غمة الأمراض
يرمي به الغرض البعيد وقد غدا
فكري يقصر عن مدى الأغراض
لا تلزمني من ثنائك موجبا
حقا فلست لحقه بالقاضي
فلقد عجزت عن القريض وربما
أعرضت عنه أيما إعراض
أنعم علي ببسط عذري إنني
أقررت عند نداك بالإنفاض
وكانت ولادته سنة إحدى وعشرين وأربعمائة، وتوفي فجأة يوم الثلاثاء لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة اثنتين وخمسمائة ببغداد، ودفن في مقبرة باب أبرز - رحمه الله تعالى - وبسطام بكسر الباء الموحدة وسكون السين المهملة وفتح الطاء المهملة وبعد الألف ميم.
العكبري
أما الإمام العكبري فهو أبو البقاء عبد الله بن أبي عبد الله الحسين بن أبي البقاء عبد الله بن الحسين العكبري الأصل البغدادي المولد والدار الفقيه الحنبلي الحاسب الفرضي النحوي الضرير الملقب محب الدين، أخذ النحو عن أبي محمد بن الخشاب وعن غيره من مشايخ عصره ببغداد، وسمع الحديث من أبي الفتح محمد بن عبد الباقي بن أحمد المعروف بابن البطي ومن أبي زرعة طاهر بن محمد بن طاهر المقدسي وغيرهما، ولم يكن في آخر عمره في عصره مثله في فنونه، وكان الغالب عليه علم النحو، وصنف فيه مصنفات مفيدة، وشرح كتاب الإيضاح لأبي علي الفارسي، وديوان المتنبي، وله كتاب إعراب القرآن الكريم في مجلدين، وكتاب إغراب الحديث لطيف، وكتاب شرح اللمع لابن جني، وكتاب اللباب في علل النحو، وكتاب إعراب شعر الحماسة، وشرح المفصل للزمخشري شرحا مستوفى، وشرح الخطب النباتية والمقامات الحريرية، وصنف في النحو والحساب، واشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا به واشتهر اسمه في البلاد وهو حي وبعد صيته، وكانت ولادته سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، وتوفي ليلة الأحد ثامن شهر ربيع الآخر سنة ست عشرة وستمائة ببغداد، ودفن بباب حرب، رحمه الله تعالى.