تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال ابن خلكان: وكان مولده لأربع عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة سنة ست وعشرين وثلاثمائة بأصطخر وقيل بالطالقان، وتوفي ليلة الجمعة الرابع والعشرين من صفر سنة خمس وثمانين وثلاثمائة بالري، ثم نقل إلى أصبهان - رحمه الله تعالى - ودفن في قبة بمحلة تعرف بباب دزيه، وهي عامرة إلى الآن، وأولاد بنته يتعاهدونها بالتبييض.

قال أبو القاسم بن أبي العلاء الشاعر الأصبهاني: رأيت في المنام قائلا يقول لي: لم لم ترث الصاحب مع فضلك وشعرك؟ فقلت: ألجمتني كثرة محاسنه فلم أدر بما أبدأ منها؟ وقد خفت أن أقصر وقد ظن بي الاستيفاء لها، فقال: أجز ما أقوله، فقلت: قل، فقال:

ثوى الجود والكافي معا في حفيرة

فقلت:

ليأنس كل منهما بأخيه

فقال:

هما اصطحبا حيين ثم تعانقا

فقلت:

ضجيعين في لحد بباب دزيه

فقال:

إذا ارتحل الثاوون عن مستقرهم

فقلت:

أقاما إلى يوم القيامة فيه

ذكر هذا البياسي في حماسته، ورأيت في أخباره أنه لم يسعد أحد بعد وفاته كما كان في حياته غير الصاحب، فإنه لما توفي أغلقت له مدينة الري، واجتمع الناس على باب قصره ينتظرون خروج جنازته، وحضر مخدومه فخر الدولة وسائر القواد وقد غيروا لباسهم، فلما خرج نعشه من الباب صاح الناس بأجمعهم صيحة واحدة، وقبلوا الأرض، ومشى فخر الدولة أمام الجنازة مع الناس وقعد للعزاء أياما، ورثاه أبو سعيد الرستمي بقوله:

أبعد ابن عباد يهش إلى السرى

أخو أمل أو يستماح جواد

أبى الله إلا أن يموتا بموته

فما لهما حتى المعاد معاد

وتوفي والده أبو الحسن عباد بن العباس في سنة أربع أو خمس وثلاثين وثلاثمائة - رحمه الله تعالى - وكان وزير ركن الدولة بن بويه، وهو والد فخر الدولة ووالد عضد الدولة فناخسرو ممدوح المتنبي، وتوفي فخر الدولة في شعبان سنة سبع وثمانين وثلاثمائة، ومولده في سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، والطالقاني - بفتح الطاء المهملة وبعد الألف لام مفتوحة ثم قاف - وبعد الألف الثانية نون: هذه النسبة إلى الطالقان، وهو اسم لمدينتين؛ إحداهما بخراسان والأخرى من أعمال قزوين، والصاحب المذكور أصله من طالقان قزوين، لا طالقان خراسان.

أبو بكر الخوارزمي

هو أبو بكر محمد بن العباس الخوارزمي - وهو كما قال ابن خلكان - ابن أخت أبي جعفر محمد بن جرير الطبري صاحب التاريخ - قال ابن خلكان: كان أحد الشعراء المجيدين الكبار المشاهير، وكان إماما في اللغة والأنساب أقام بالشام مدة وسكن بنواحي حلب، وكان يشار إليه في عصره، ويحكى أنه قصد حضرة الصاحب بن عباد وهو بأرجان فلما وصل إلى بابه قال لأحد حجابه: قل للصاحب على الباب أحد الأدباء، وهو يستأذن في الدخول، فدخل الحاجب وأعلمه، فقال الصاحب: قل له قد ألزمت نفسي أن لا يدخل علي من الأدباء إلا من يحفظ عشرين ألف بيت من شعر العرب، فخرج إليه الحاجب وأعلمه بذلك، فقال له أبو بكر: ارجع إليه وقل له: هذا القدر من شعر الرجال أم من شعر النساء؟ فدخل الحاجب فأعاد عليه ما قال، فقال الصاحب: هذا يكون أبا بكر الخوارزمي فأذن له في الدخول، فدخل عليه فعرفه وانبسط له، وأبو بكر المذكور له ديوان رسائل وديوان شعر، وقد ذكره الثعالبي في كتاب اليتيمة، وذكر قطعة من نثره ثم أعقبها بشيء من نظمه فمن ذلك قوله:

رأيتك إن أيسرت خيمت عندنا

مقيما وإن أعسرت زرت لماما

فما أنت إلا البدر إن قل ضوءه

أغب وإن زاد الضياء أقاما

ومن شعره أيضا:

يا من يحاول صرف الراح يشربها

ولا يفك لما يلقاه قرطاسا

الكاس والكيس لم يقض امتلاؤهما

ففرغ الكيس حتى تملأ الكاسا

وفيه يقول أبو سعيد أحمد بن شهيب الخوارزمي:

أبو بكر له أدب وفضل

ولكن لا يدوم على الوفاء

مودته إذا دامت لخل

فمن وقت الصباح إلى المساء

وملحه ونوادره كثيرة.

ولما رجع من الشام سكن نيسابور، ومات بها في منتصف شهر رمضان سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة، وذكر شيخنا ابن الأثير في تاريخه: أنه توفي سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة، وكان قد فارق الصاحب بن عباد غير راض فعمل فيه:

شرح ديوان المتنبي · الصفحة ٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح ديوان المتنبيص ٣٧