تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا حقا من غريب طبائع البشر؛ فسبحان من تفرد بالكمال!

ولقد وجدت ذلك من نفسي؛ مع أن الطريق معبد، والمادة متوافرة؛ فقد أكون - في بعض الأوقات - مستجما، نشيطا، مهزوزا، مرهف الطبع، مصقول الذهن، صافي الحس، منبسط النفس؛ فأشرح ما أشرح - من قوافي المتنبي - فآتي بما أرضى به عن نفسي، ويعروني له من الطرب ما يستخفني، وأكون في أوقات أخرى منقبض النفس، مظلم الحس، مغلق الذهن، فدما، بليدا، لا أكاد أذهن شيئا، وأكون مضطرا إلى العمل؛ فأشرح - وأنا على هذه الحال - بعض الأبيات، ثم أعود في وقت أكون فيه على جمام من نفسي إلى ما شرحت، وأنظر ماذا قلت، فأدهش: كيف يصدر هذا من رجل له بقية من فهم؟ وأتهم نفسي، حتى لا أكاد أصدق أن شيئا من هذا ند به القلم ...

ثم لا تنس اختلاف القرائح والأفهام والنزعات، وأن هذا ينزع في تفكيره نزعة لغوية، وذاك نزعة نحوية، وذلك نزعة فلسفية منطقية، وآخر قد تأثر بالأدب والفن وحسن التخيل، وأن هذا أصح تمييزا من ذاك، وأنفذ بصيرة، وأبعد مدارك، وأصفى نفسا، وألطف حسا، وأكثر ألمعية، إذا أذنت أذناه شيئا شاءهما ذهنه. فإذا هم أراغوا تأويل بيت من أبيات المعاني الدقاق: تشعبت آراؤهم، وذهب كل في تأويله مذهبا قد يباين مذهب الآخر، تبعا لتباين قرائحهم ومحصولاتهم، كما قال المتنبي:

ولكن تأخذ الآذان منه

على قدر القرائح والعلوم

وإليك شيئا يحور إليه سر هذا التباين الذي نرى بين الشراح في تأويلاتهم لمثل شعر أبي الطيب. ذلك أن المتنبي كان رجلا ماكرا باقعة داهية، فكان من دهائه يعمد إلى بعض المعاني التي سبق إليها، فيحاول أن يبعد بها عن أصلها ويعميها على الناظر فيها ويريغها ويديرها عن ذلك حتى لا يفطن إلى أن غيره أبو عذر هذا المعنى، فيلجأ إلى التعمية والجمجمة والتعقيد والإبهام؛ لأن تلك طريقته - كما سنبينه - فيجيء البيت متنافر اللحمة متناثر التعبير، لا يشف ظاهره عن باطنه، ولا يتجاوب أوله وآخره، حتى لكأنه ضرب من الرقى، فيظن بعض الشراح أن هناك معنى دقيقا عميقا فيكد ذهنه، ويجهد فكره، ويسافر في طلب المعنى أميالا، وهو لا يفوت أطراف بنانه، وينضي إليه رواحل ذهنه وهو على حبل ذراعه، فيعتسف ويشتط وينحرف عن جادة الصواب، كما قال المتنبي:

أبلغ ما يطلب النجاح به الط

بع وعند التعمق الزلل

وهاك شيئا يرجع إليه ذلك التعقيد الذي نراه في بعض شعر المتنبي. هو أن أبا الطيب له حساد كثيرون من أهل الفضل ومن فحولة الشعراء وأعيان البيان يتعثر بهم على أبواب سيف الدولة في حلب، وتقع عينه عليهم أنى ذهب - في الشام وفي مصر وفي بغداد وفي فارس - وكانوا له بالمرصاد يتلمسون له الهفوة والمأخذ. وكان كثير ممن يمدحهم كذلك شعراء أدباء - وناهيك بسيف الدولة وابن العميد - فكان لذلك كله - يحتشد لكثير من قصائده ويتعمل لها، ويتنطس في ألفاظه ومعانيه، ويحتفل، ويمعن في الاحتفال إلى ما وراء طبعه؛ فيجيء بعض نظمه كزا جافا معقدا حرم طلاوة الطبع ورونقه، وفقد نصف الجمال الشعري.

وهنا لا نرى مندوحة من أن نعرض لشيء لم يفطن إليه أحد، أو فطنوا إليه ولم يصفوه، أو وصفوه ولكن لم يصفوه الوصف الذي هو به أليق، ذلك أن المتنبي - للأسباب التي أسلفناها، ولسبب آخر سنبينه - تراه في أكثر شعره ينقصه التعبير الشعري، ويظهر لك ذلك إذا أنت وازنت بينه وبين إمامه في الصنعة والاحتفال بالمعنى - وهو أبو تمام.

وإني لأذكر كلمة لأحد نقدة العرب وهي: «إنما حبيب أبو تمام كالقاضي العدل: يضع اللفظ موضعها، ويعطي المعنى حقه، بعد طول النظر، والبحث عن البينة، أو كالفقيه الورع: يتحرى في كلامه، ويتحرج خوفا على دينه، وأبو الطيب كالملك الجبار: يأخذ ما حوله قهرا وعنوة، كالشجاع الجريء: يهجم ما يريده، ولا يبالي ما لقي ولا حيث وقع.» ا.ه.

شرح ديوان المتنبي · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح ديوان المتنبيص ٣