وتصور مقدار ما يعرو الإنسان من المضض والامتعاض حين يرى الكتاب - بعد هذا العناء الذي يبذل في التصحيح - لم يسلم من الأغاليط، ولا تنس أن المؤلف قد لا يفطن إلى الخطإ المطبعي أثناء التصحيح ويمر به مرا، وعذره في ذلك واضح: وهو أنه إنما يقرأ ما في ذهنه، لا ما هو بين عينيه، ومن هنا كان له - للمؤلف - هو الآخر نصيب من هذا الخطأ وإن كان عذره في ذلك قائما ...
أقول: إن عيب الواحدي والعكبري هو ما ذكرت: وضع لا يتفق وروح العصر، وتحريف كثير شائع في الكتابين، ذلك إلى هفوات تلحق كلا على حدته، وقصور أو تقصير أو إقصار يلم بساحته؛ فإذا أردت أن تجتزئ بالعكبري - مثلا - وتستغني به عن غيره فإنه لا يغني كل الغناء، وكذلك الواحدي، ويزيد الواحدي على العكبري أنه لا يحفل بتفسير المفردات ولا بالإعراب، وبأنه لا يفسر كثيرا من الأبيات، فكأنه موضوع للمنتهين، ولذلك لا يؤاتي الشادين. أما اليازجي أو اليازجيان - الشيخ ناصيف وابنه الشيخ إبراهيم - فهما - على فضلهما الذي لا ينكر، وعلى ما طنطن به الثاني في ذيل الشرح، مما قد يخرج منه القارئ وهو مفعم يقينا بأن هذا الشرح هو سيد الشروح، وهو وحده الشرح الذي طبق المفصل وأصاب مقطع الحق وأوفى على الغاية، أقول: إنهما - على الرغم من ذلك - يصدق عليهما قول الواحدي في ابن جني: وأما ابن جني فإنه من الكبار في صنعة الإعراب والتصريف، والمحسنين في كل واحد منهما بالتصنيف، غير أنه إذا تكلم في المعاني تبلد حماره، ولج به عثاره ... نعم، وحسبك أن ترجع إلى ما قالاه - أي اليازجيان - في شرح هذا البيت على انسجامه ووضوحه وروعته:
لحا الله ذي الدنيا مناخا لراكب
فكل بعيد الهم فيها معذب
قالا: يذم الدنيا. يعني أنها دار شقاء حتى إن من لا هم له لا يخلو فيها من العذاب، فما الظن بصاحب الهموم؟! ولست أدري: كيف لم يفطنا إلى معنى هذا البيت وهو من الوضوح والجلاء، كما ترى؟ ... على أنهما - في شرحهما عامة، لا في شرح هذا البيت - لم يحيدا عن الواحدي والعكبري قيد أنملة؛ فهما عمدتاهما، وعليهما معولهما، فإذا هما حاولا أن يتفصيا منهما، ويستقلا بالشرح دونهما، ويأتيا بشيء من عندهما: زلت قدماهما، وكبا جواداهما، أو تبلد حماراهما، ووقعا في مثل ما وقعا في هذا البيت ...
ذلك: إلى أن القسم الذي تولى شرحه الشيخ ناصيف قصر فيه ومرض ولم يتعرض لشرح المعاني، وإنما اقتصر على شرح المفردات، وإلى أنهما - اليازجيين - تركا كثيرا من شعر المتنبي الذي يريان فيه خمشا لوجه الأدب، وإلى أنهما لم يتعرضا لسرقات المتنبي وذكر الأشباه والنظائر أصلا، وهذه مزية من المزايا قد وفيناها حقها في هذا الشرح ...
على أنا لا نبخس الناس أشياءهم، ولا ننكر خصائص الطبائع البشرية وما قد يعروها الخطرة بعد الخطرة: من الفتور والانتكاس، وانغلاق الذهن، وتبلد الحس، وإظلام البصيرة، وغئور الروح، وخمود الذكاء، حتى لقد يخفى أحيانا على العليم الألمعي وجه الصواب وهو منه على حبل الذراع وطرف الثمام - كما يقولون - فيعتسف الطريق، ويتخبط تخبط العشواء ...
وهذا ابن جني - الإمام العالم المجتهد الثبت الثقة، بل فيلسوف اللغة العربية، العليم بخصائصها، الطب البصير بدقائقها - تراه في شرحه على المتنبي على الرغم من ذلك، ومن أنه كان معاصرا للمتنبي - متعصبا له محاميا عنه، وكان إذا سأل المتنبي سائل عن معنى بيت من أبياته يقول: اسألوا الشارح - يعني ابن جني - وكان ابن جني يراجع المتنبي في كثير من شعره ويستوضحه المعنى الذي يغزوه، وبرغم ذلك تراه في كثير من المواضع - كما قال الواحدي - وقد تبلد حماره، ولج به عثاره.
وهكذا تتبعت جميع من تعرض للمتنبي بالشرح أو النقد - كابن فورجه، والعروضي، والتبريزي، وابن وكيع، وابن القطاع، وابن الأفليلى - فوجدت لهم جميعا بجانب حسناتهم سيئات، وإلى سدادهم زلات وهفوات.