موقع الخيل من نداك طفيف
ولو أن الجياد فيها ألوف
حين سأله الأمير عن فرس يرسله إليه، وقال قطعته:
اخترت دهماءتين يا مطر
ومن له في الفضائل الخير
حين خيره في فرسين، إحداهما دهماء والأخرى كميت، وقال قطعته:
فعلت بنا فعل السماء بأرضه
خلع الأمير وحقه لم نقضه
في خلع أنفذها إليه، وقال قطعته:
أيا راميا يصمي فؤاد مرامه
تربي عداه ريشها لسهامه
وهو خارج إلى أقطاع أقطعه إياه الأمير في معرة النعمان، وجاء في الشروح ذكر لهدايا جمة منحها الأمير للشاعر بعد أن تصالحا إثر تنافرهما.
وينطق شعر المتنبي في سيف الدولة، بالغبطة والرضا، ويفيض بالشكر الأوفر، يقول:
أسير إلى إقطاعه في ثيابه
على طرفه من داره بحسامه
وقد سكن أبو الطيب إلى صحبة الأمير الكريم، وطاب له زمانه، فسكت عن حديث الثورة والقتل الذي غمر شعره الأول وفاض في كل قصائده إلا قليلا، وكان يصحبه في أغلب حروبه، فتمكن من وصفها وصف الشاهد كما بين في الديوان.
ثم ... ثم أراد الله مرة أخرى أن يفرق بين الرجلين، وأن يتم ما خطه في أم الكتاب ... وذلك بعد ثماني سنوات لبثها الشاعر في كنف الأمير كانت أولى قصائد مدحه فيها:
وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه
بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه
وذلك سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، وكانت آخر قصيدة في سنة خمس وأربعين وثلاثمائة، وهي:
عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم
ماذا يزيدك في إقدامك القسم
وأما سبب فرقة الصديقين فهو حسد أكل قلوب شعراء سيف الدولة والمحيطين به غير أبي الطيب، وهو كذلك ضيق الأمير ذرعا بالشاعر المتعالي الذي لا يقول فيه القصيدة إلا بعد أن يطلبها ويستعجلها أشهرا طوالا.
أجل: فلقد كان حول سيف الدولة شعراء كثر ينشدون الخير والنعمة، وكانت شمس المتنبي غالبة على شموسهم؛ فلا غرو أن ينقموا عليه ويحسدوه، سيما وهو المتكبر المتعالي، الضارب في ذرى الأنفة والكبرياء، الفخور بشعره، والمتفرد وحده برضى الأمير وإيثاره، وذلك الشاعر الذي يقول:
أنا السابق الهادي إلى ما أقوله
إذ القول قبل القائلين مقول
لا يستطيع أن يلقى من شاعر آخر حبا أو وفاء أو إخلاصا.
على أن من غير الشعراء كثيرين كانوا ينقمون عليه كذلك، ويحسدون مكانته عند الأمير، وعظمته بين الناس. قال المتنبي:
أزل حسد الحساد عني بكبتهم
فأنت الذي صيرتهم لي حسدا
ولا مراء في أن أولئك الشعراء قد غلبهم حسد أبي الطيب فبيتوا له المكائد وناصبوه العداء، يقول الشاعر العملاق:
وفي كل يوم تحت ضبني شويعر
ضعيف يقاويني قصير يطاول
ويقول غير ذلك كثيرا بين يديك في صفحات الديوان.
هذا، وكان سيف الدولة مغرما بشعر أبي الطيب، يود أن يسمع كل يوم قصيدة له في مدحه، وكان الشاعر ينظم أربع قصائد في كل سنة أو خمسا غير القطع، فكان الأمير يغضب عليه. فنحن نرى في الديوان قصيدة قيلت في جمادى الآخرة سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة، وأخرى قيلت يوم الأضحى من تلك السنة، وبين التاريخين زهاء خمسة أشهر، نظم الشاعر فيها سبع قطع وقصائد قصيرة يعتذر في اثنتين عن تأخير مدحه.
وجاء في الصبح المنبي: أن أبا فراس قال للأمير: «إن هذا المتشدق كثير الإدلال عليك، وأنت تعطيه كل سنة ثلاثة آلاف دينار على ثلاث قصائد، ويمكن أن تغدق مائتي دينار على عشرين شاعرا يأتون بما هو خير من شعره.»
وفي شرح ابن جني: «وكان سيف الدولة إذا تأخر عن مدحه شق عليه، وأكثر أذاه، وأحضر من لا خير فيه، وتقدم إليه بالتعرض له في مجلسه بما لا يحب، فلا يجيب أبو الطيب أحدا عن شيء، فيزيد ذلك في غيظ سيف الدولة ... إلخ.»
وقويت النفرة بين الرجلين ، فأنشد الشاعر قصيدته المشهورة:
وا حر قلباه ممن قلبه شبم
ومن بجسمي وحالي عنده ألم
وقد اضطرب المجلس عند إنشاد هذه القصيدة، وثارت حاشية الأمير مطالبة بدمه، فرخص الأمير في ذلك، حتى كاد الشاعر يهلك. يقول الشاعر في السامري - وهو أحد كتاب الأمير، وكان قد طالب بدمه: