تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبارح شاعرنا الرملة سنة 336 قاصدا إنطاكية، مارا ببعلبك، وكان فيها علي بن عسكر، فخلع عليه، وسأله أن يقيم عنده، فمدحه بأربعة أبيات، ورحل إلى إنطاكية فمدح فيها أبا العشائر بالقصيدة التي مطلعها:

أتراها لكثرة العشاق

تحسب الدمع خلقة في المآقي

ثم مدحه بثلاث قطع أخرى، وأنشأ في إنطاكية كذلك أرجوزة أولها:

ما للمروج الخضر والحدائق

يشكو خلاها كثرة العوائق

وذلك عندما شهد الثلج يكسو أديم الأرض، ويغشى الربا والوهاد.

وأثناء إقامته في إنطاكية، أغار عليها بانس المؤنسى - قائد الأخشيديين - وفوجئ أبو العشائر فقاتل عن نفسه حتى بلغ حلب، فقال المتنبي قصيدته:

إذا غامرت في شرف مروم

فلا تقنع بما دون النجوم

ثم رجع أبو العشائر إلى إنطاكية، وكان أبو الطيب عاد إلى الرملة، فلما سمع بقدومه خرج يقصده، فلما غدا بطرابلس أراده إسحاق بن كيغلغ على مدحه - وكان جاهلا - وكان بعض الناس قد أغروه به، وقالوا: إنما يترك مدحك استصغارا لك، فلما راسله يستمدحه احتج أبو الطيب بيمين ألا يمدح أحدا إلى مدة، فأخذ عليه الطرق حتى تنقضي المدة، فهجاه أبو الطيب بقصيدة أملاها على من يثق به، ولما ذاب الثلج عن لبنان خرج إلى دمشق، وأتبعه ابن كيغلغ خيلا ورجلا فأعجزهم، ثم ظهرت القصيدة، وقد أقذع فيها المتنبي وأفحش إلى جانب ما أودعها من الحكمة الرائعة.

ولما بلغ الشاعر إنطاكية، لقي أبا العشائر ومدحه بقصيدتين وثماني قطع. •••

وأراد الله للشاعر الكبير أن يلقى ممدوحه الكبير، وأن يمتزج تاريخهما على مر العصور والأيام، فقد كان أبو العشائر بن حمدان واليا على إنطاكية من قبل سيف الدولة، فلما قدم الأمير إنطاكية سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، قدم أبو العشائر إليه أبا الطيب، وأثنى عليه، ولم يشأ أبو الطيب أن يمدح الأمير إلا بعد أن اشترط عليه ألا ينشده وهو واقف، وألا يقبل الأرض بين يديه، فقبل سيف الدولة شروطه، وكانت مما تميز به المتنبي على الشعراء جميعا، ومما أوحت به إليه نفسه الطموح التي لا تقبل الهوان، فقد تعود أن يتخذ من ممدوحيه أصدقاء له وصحابا، وكان سيف الدولة سمح النفس كريم الخلق، فمن الهين عليه أن يتخذ المتنبي صديقا صدوقا، وأن يكون هو له نعم الصاحب أيضا، فهو الشاعر المجيد الذي يستطيع أن يشيد بمآثره، ويخلد بطولته، كما رأى المتنبي أن سيف الدولة هو الأمير العربي الذي يجدر بدرره الغوالي وآياته الخالدات؛ بل إنه لشاعر المجد الذي يبغي مصاحبته شاعر اللفظ والبيان، قال المتنبي:

شاعر اللفظ خدنه شاعر المجد

كلانا رب المعاني الدقاق

وقال:

لك الحمد في الدر الذي لي لفظه

فإنك معطيه وإني ناظم

وصحب أبو الطيب سيف الدولة ثماني سنوات، نظم فيها اثني عشر وخمسمائة وألف بيت، في ثمان وثلاثين قصيدة، وإحدى وثلاثين قطعة: منها أربع عشرة قصيدة في وصف وقائعه مع الروم، وأربع في وقائعه مع العرب، وخمس عشرة في المدح المجرد عن وصف الوقائع، وخمس في الرثاء، ومن القطع اثنتان في حوادث الروم، والباقي في مقاصد مختلفة، يضاف إلى كل هذا قصيدة:

ذكر الصبا ومراتع الآرام

جلبت حمامي قبل يوم حمامي

نظمها الشاعر سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة في ثلاثة وثلاثين بيتا، وألحقها بمدائح سيف الدولة، وقد اتفقت روايات المؤرخين على أنه قالها في ذلك التاريخ، ولكن الدكتور عبد الوهاب عزام لا يميل إلى تصديق ذلك مرتكنا على أسباب وجيهة، يراها القارئ في كتابه عن المتنبي الذي اعتمدنا عليه في تلخيص هذه السيرة.

وقد مدح الشاعر سيف الدولة غير ذلك بقصيدتين، وعزاه عن أخته بأخرى، وذلك بعد أن رجع إلى العراق.

وكان سيف الدولة يغدق على شاعره أيما إغداق، ويكرمه ويبالغ في العطف عليه وإكبار شأنه، فكان يعطيه كل عام ثلاثة آلاف دينار، وكان يمنحه غير ذلك عطايا أخرى ومكافآت. قال المتنبي قطعته:

شرح ديوان المتنبي · الصفحة ١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح ديوان المتنبيص ١٤