والذي يقرأ الديوان يدرك أن المتنبي كان يستعمل هذا الضرب من ذكر الآمال، وطلب المجد والسؤدد، في أول قصائده التي يمدح بها كما كان الشعراء يستفتحون قصائدهم بالنسيب، وقد جرى على ذلك في قصيدته التي مدح بها علي بن إبراهيم التنوخي، والتي مطلعها:
أحاد أم سداس في أحاد
لليلتنا المنوطة بالتناد
وكذلك في قصيدته التي مدح بها المغيث بن علي بن بشر العجلي، والتي مطلعها:
فؤاد ما تسليه المدام
وعمر مثل ما تهب اللئام
وبلغ من ولع شاعرنا بهذا اللون من ألوان الكلام، وقلة مبالاته بالناس أنه توعد بقتل الممدوحين أيضا، وذلك في قصيدة يمدح بها محمد بن عبد الله الخصيبي.
وفي شعر المتنبي: أنه حارب في سبيل غايته، وعارك وقتل، ولا ندري متى حارب ومن قتل، ولعل ذلك وهم وسوس به إليه شيطانه النافر الجامح.
ومن عجب أن ذلك الشاعر الطامح إلى الملك والسلطان، الذي وسع صدره هذه الآمال الكبار، كان فقيرا معسرا لم ينل من حياته عيشا رغدا، يقول في إحدى قصائد صباه:
أين فضلي إذا قنعت من الده
ر بعيش معجل التنكيد
ضاق صدري وطال في طلب الرز
ق قيامي وقل عنه قعودي
ويقول بعض القصيدة الدينارية:
أظمتني الدنيا فلما جئتها
مستسقيا مطرت علي مصائبا
ويقول الثعالبي: إن أبا الطيب كان يجشم نفسه أسفارا أبعد من آماله، لا يستقر ببلد ولا يسكن إلى أحد، وكان من وفرة ما لاقى في سبيل غايته من مشقة، وشح ما لقي من مكافأة، وطول ما عانى ونصب، يكره الدنيا ومن فيها، ويخالها بناسها حربا عليه، وليس يغيب عن الذهن ما قاله في تحقير الناس، من شعر ممعن في الذم، قال:
أذم إلى هذا الزمان أهيله
فأعلمهم فدم وأحزمهم وغد
إلى آخر الأبيات.
وليس يخفى أنه كان متعاليا على الناس، شديد الاعتداد بنفسه، والإيمان بحقه على أهل زمانه، ونحسبه كان محقا في ذلك، وإلا لما حفل الناس به إلى يومنا هذا، ولما سعى إليه الممدوحون بدل أن يسعى إليهم. يقول في إحدى قصائد صباه:
إن أكن معجبا فعجب عجيب
لم يجد فوق نفسه من مزيد
إلى آخر ما هو من هذا القبيل.
ولم يكن أبو الطيب يتغنى بالثورة والمجد عبثا، ولا كان عاجزا يمني نفسه بالقول دون الفعل، وإنما كان يسعى لآماله سعي المشيح المجد، فلقد هم بالثورة وترقب لها الفرص، ثم سكت عن أشباه ذلك بعد أن بارح عتبة الصبا، وأوغل في سني الرجولة الحكيمة، فتركزت آماله في عقله الباطن، وراح يعمل على تحقيقها في هدوء ويقين وثقة بالنجاح، وقد استمر يمني النفس، ويبسط أمامها سبل الأمل الباسم الخلاب، حتى قتل الزمان هذا الأمل في رأسه وخياله؛ فآب صامتا محتملا يشكو لنفسه مطل الزمان، ولا يشكو لبني الإنسان، فهو يراهم دونه بكثير. •••
تلك كانت حالة الشاعر في بلاد الشام، منذ ألقى بها عصا التسيار، حتى سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، بيد أنه على سوء حاله وإغراقه في شكوى الزمان، قد سار ذكره ونبه شأنه، وبسط شعره سلطانه على الناطقين بالضاد، حتى رغب في مدائحه الأمراء والحاكمون، فدعاه الحسن بن عبيد الله بن طغج إلى الرملة ليمحدحه - وهو أخو الأخشيد كما قدمنا - ثم تيسر له سبيل الاتصال بأبي العشائر بن حمدان، فمهد له الوصول إلى سيف الدولة علي بن حمدان، الذي هيأ له السعادة والمجد، وأعانه على الدخول في زمرة الخالدين، وكان له على خطوب الأيام خير معين.
وكان لقاء الشاعر للحسن بن طغج في شعبان سنة ست وثلاثين وثلاثمائة؛ إذ أرسل إليه رسوله بركوبة يركبها، فامتنع الشاعر عليه، فأقسم ألا يبرحه، فدخل أبو الطيب فكتب قصيدة وعاد ومدادها لم يجف، ثم ركب مع الرسول، فدخلا على ابن طغج فأنشده إياها، وهي:
أنا لائمي إن كنت وقت اللوائم
علمت بما بي بين تلك المعالم
وكان هذا أول شعر للمتنبي أجيز عليه إجازة كبيرة. جاء في الإيضاح: «أن المتنبي حدث بأنه أعطي من أجلها ألف دينار، وقد أقام الشاعر مدة عند ابن طغج، وفي الديوان غير هذه القصيدة: أرجوزة قصيرة، وثلاث وعشرون قطعة قصيرة أكثرها بيتان، وقد قيلت قطعتان منها بعد عشر سنين من هذا التاريخ، حين مر الشاعر بالرملة قاصدا مصر وهما قوله: