ويقول ابن جني في شرحه: «وكان قوم قد وشوا به إلى السلطان في صباه وتكذبوا عليه، وقالوا له: قد انقاد له خلق كثير من العرب، وقد عزم على أخذ بلدك، حتى أوحشوه منه فاعتقله، وضيق عليه، فكتب إليه يمدحه.»
أما رأي ابن جني في تلقيبه بالمتنبي فهو قوله:
أنا في أمة تداركها الله
غريب كصالح في ثمود
وذلك رأي نميل إلى الأخذ به. فواضح من قصيدته في الاعتقال ومطلعها:
أيا خدد الله ورد الخدود
وقد قدود الحسان القدود
إن التهمة التي ألصقت بالمتنبي لم تكن ادعاءه النبوة، وإنما كانت دعوى أخرى تكشف عنها العقيدة، ويعترف بها الشاعر ولا يحاول إنكارها، وهي اتهامه «بالعدوان على العالمين» أي بالخروج على السلطان.
ويصح كذلك أن يكون سبب تسمية بالمتنبي ذلك البيت:
ما مقامي بأرض نخلة إلا
كمقام المسيح بين اليهود
وليس أيسر من أن يسمع حاسدوه هذا الشعر فيلقبوه بالمتنبي، وفي أيامنا هذه من أمثال ذلك كثير في الصحف والمجلات، فإذا أطلق عليه هذا اللقب وذاع وسرى في الناس، ثم مضت مدة رجع فيها الناس إلى الاستقصاء استطاع أصحاب الخيالات القصصية أن يخلقوا قصة طريفة يفسرون بها هذا اللقب، ويسندون فيها إليه ادعاء النبوة. •••
ونعود إلى سيرة المتنبي فنقول:
كان سجنه سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، أو في السنة التي بعدها، ويؤخذ ذلك من أنه قال في قصيدته التي أرسلها من سجنه إلى الوالي يمدحه:
فولى بأشياعه الخرشني
كشاء أحس زئير الأسود
والخرشني هو: بدر الخرشني والي حلب من قبل الخليفة العباسي، وثابت في كتب التاريخ أن الأخشيد استولى على حلب سنة أربع وعشرين وثلاثمائة بعد أن تركها الخرشني إلى بغداد، فإن كان أبو الطيب يقصد بهذا البيت نزوح الخرشني إلى بغداد، قبل استيلاء الأخشيد على حلب؛ فيكون سجنه في هذه السنة أو في التي تليها.
ولقد لبث أبو الطيب بالشام خمس عشرة سنة، وهو دائم الترحال غير مستقر على حال، يقصد الممدوحين، فيخيبون أمله، فتثور نفسه، وتتحكم كبرياؤه، ثم يعود فيكبت النفس الأبية، ويمسك كبرياءه بيده، وتلجئه الحاجة الملحة إلى معاودة المدح، وقد مدح أثناء ذلك اثنين وثلاثين رجلا بأربع وأربعين قصيدة، ومنهم التنوخيون باللاذقية، وبدر بن عمار الأسدي نائب ابن رائق في طبرية، ومساور بن محمد الرومي والي حلب، وقد لزم التنوخيين وابن عمار زمنا، وأكثر البلاد نصيبا من مدائحه: منبج، وإنطاكية، واللاذقية، وطبرية، ومدح كذلك في طرابلس، وطرسوس، وجبل جرش ودمشق، والرملة.
وقد نظم في تلك المدة خمس قصائد لنفسه، يعرب فيها عن مطامعه ويفخر ويثور، وهي القصائد التي أبانت عن آماله وأوضحت عن أحلام نفسه الكبيرة. •••
ولم يفد أبو الطيب من مديحه إلا العطاء النزر، على كثرة ما بالغ واحتفل. روى ياقوت في معجم الأدباء: أن المتنبي لما مدح محمد بن زريق الطرسوسي بقصيدته:
هذي برزت لنا فهجت رسيسا
ثم انثنيت وما شفيت نسيسا
وصله عليها بعشرة دراهم. فقيل له: إن شعره حسن. فقال: ما أدري أحسن هو أم قبيح، ولكن أزيده لقولك هذا عشرة دراهم، فكانت صلته عليها عشرين درهما، وروى الثعالبي: أن عليا بن منصور الحاجب أعطى أبا الطيب دينارا حينما مدحه بقصيدته:
بأبي الشموس الجانحات غواربا
اللابسات من الحرير جلاببا
فسميت القصيدة الدينارية، وروي كذلك أن أبا الطيب مدح بدون العشرة والخمسة من الدراهم، ولكن الذي لا ريب فيه، أن كبار الممدوحين أعطوه عطاء ضخما، يلائم شعره ومكانته. •••
ولقد كان المتنبي في عهده هذا، يبغي المجد والسؤدد، ويلهج بالملك، ويبني صروح الآمال الجسام. قال في صباه:
ومن يبغ ما أبغي من المجد والعلى
تساوى المحايي عنده والمقاتل
وعند ما لامه معاذ اللاذقي على توعده قال:
أيا عبد الإله معاذ إني
خفي عنك في الهيجا مقامي
وكثير جدا من شعره ينحو هذا المنحى ويسلك هذا السبيل، وكان يرى الوسيلة إلى الملك الكفاح والقتال ومصارعة الخطوب، وقد جاء ذلك في شعره في غير موضع، فإذا عاقته الأيام عن ذلك، وتوانى عن إدراك أحلامه العريضة، لام نفسه وأنبها تأنيبا.