ولا تحسبن المجد زقا وقينة
فما المجد إلا السيف والفتكة البكر
وتضريب أعناق الملوك وإن ترى
لك الهبوات السود والعسكر المجر
وتركك في الدنيا دويا كأنما
تداول سمع المرء أنمله العشر
إذا الفضل لم يرفعك عن شكر ناقص
على هبة فالفضل فيمن له الشكر
ومن ينفق الساعات في جمع ماله
مخافة فقر فالذي فعل الفقر
ثم قال الأمير: وهل لا يرى أخونا المصري لأبي القاسم ابن هانئ الأندلسي؛ شاعر أمير المؤمنين المعز لدين الله، ما يستأهل به أن يلز مع المتنبي في قرن؟
151
فقلت: إني أخشى يا مولاي أن أصرح برأيي، فقال: قل وأنت آمن، فقلت: إني لا أشبهه يا مولاي إلا برحى تطحن قرونا،
152
وإني كلما أنشدت شعره فكأني أسمع جعجعة ولا أرى طحنا، فاربد وجه الأمير غضبا، ثم تحالم وقال: وهل يقال مثل هذا فيمن يقول:
يا بنت ذي السيف الطويل نجاده
أكذا يجوز الحكم في ناديك
عيناك أم مغناك موعدنا وفي
وادي الكرى ألقاك أم واديك
منعوك من سنة الكرى وسروا فلو
عثروا بطيف طارق ظنوك
ودعوك نشوى ما سقوك مدامة
لما تمايل عطفك اتهموك
حسبوا التكحل في جفونك حلية
تا الله ما بأكفهم كحلوك
وجلوك لي إذ نحن غصنا بانة
حتى إذا احتفل الهوى حجبوك
ويقول من أبيات في وصف الخيل:
تكاد تحس اختلاج الظنو
ن بين الضلوع وبين الحشى
ومن رفقها أنها لا تحس
ومن عدوها أنها لا ترى
وتحسب أطراف آذانها
يراعا برين لها بالمدى
جرين إلى السبق في حلبة
إذا ما جرى البرق فيها كبا
ديار الأعزة لكنها
مكرمة عن مشيد البنا
وهل لمولانا المعز الذي يقول مثل هذا الشعر:
اطلع الحسن من جبينك شمسا
فوق ورد في وجنتيك اطلا
وكأن الجمال خاف على الورد
جفافا فمد بالشعر ظلا
أن يقرب ابن هانئ إليه، ويؤثره على غيره، ويعتز به ويفاخر، لولا أن رآه من الشعر بحيث لا يكاد يتخلف عن المتنبي؟ بلى، وإذا كان في المشرق المتنبي، ففي المغرب ابن هانئ، وإذا كان فيه عبد الله بن المعتز، فعندنا ابن مولانا المعز: الأمير أبو علي تميم،
153
الذي يقول:
أما والذي لا يملك الأمر غيره
ومن هو بالسر المكتم أعلم
لئن كان كتمان المصائب مؤلما
لإعلانها عندي أشد وآلم
وبي كل ما يبكي العيون أقله
وإن كنت منه دائما أتبسم
وبعد ذلك رأيت من الحزامة أن لا أطيل سبب المحاجة، فخرجت بالصمت عن لا ونعم، ثم أمر لي الأمير بعطاء سني، ثم أذن لي في الانصراف من حضرته.
جزائر ميورقة ومنورقة ويابسة
وقبل أن أختتم هذه الرسالة، آتي لك على شيء مما اعترضنا في طريقنا بعد أن انفصلنا من بلرم قاصدين إلى المرية، فمن ذلك أنا ونحن إزاء جزيرة كبيرة تسمى سردانية، أبصرنا أسطولا كبيرا قادما من ناحيتها، وقد علمنا أن هذا الأسطول هو أسطول المعز لدين الله غزا هذه الجزيرة وبلاد جنوة من بر الأرض الكبيرة، وغنم وسبى شيئا كثيرا يخطئه العد والإحصاء، وما خام
154
في سائر غزواته عن اللقاء، على ما في ذلك من الغرر؛ إذ إن وراء هذه البلاد من أمم إفرنجة عديد الذر، غير أن المعز يفعل ذلك الفينة بعد الفينة؛ لأنه يعلم أن الجهاد باب من أبواب الجنة، فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله الذل، وسيم الخسف، وديث بالصغار،
155
وأن أمة من الأمم تريد أن تكون عزيزة مهيبة لا بد من أن تغزو غيرها قبل أن يغزوها الأغيار، ورضي الله عن علي بن أبي طالب إذ يقول في إحدى خطبه: ما غزي قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا.
وهذه سردانية جزيرة كبيرة في غرب هذا البحر الرومي غزاها المسلمون حوالي سنة 92 هجرية ، الموافقة سنة 710 ميلادية في عسكر موسى بن نصير، وملكوها حينا من الدهر، ثم تركوا حبلها على غاربها، ثم هم الآن يغزونها من وقت لآخر، ويغنمون ويسبون لما علمت.
وقد مررنا فيما مررنا به من جزر هذا البحر بجزائر ثلاث متجاورات تسمى: ميورقة ومنورقة ويابسة،
156
وهي جزائر عامرة مأهولة بالمسلمين يرجع أمرها إلى صاحب الأندلس، وعليها وال من قبله، ومن هنا تعلم أن المسلمين قد ملكوا ناصية هذا البحر الرومي بما فيه من الجزائر الكبيرة والصغيرة، علاوة على جزائر بحر الظلمات «المحيط الأطلسي»، كما أسلفنا لك، فسبحان المعز لمن يشاء، وأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين.