ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه
الآية، ومن ثم كان ألأم بيت قالته العرب قول القائل:
تلقى بكل بلاد إن حللت بها
ناسا بناس وإخوانا بإخوان
فلا جرم أن يتغلغل حب مصر والمصريين في السواد من حبة القلب مني؛ حتى لكأني المعني بقول من يقول:
كأن فؤادي من تذكره الحمى
وأهل الحمى يهفو به ريش طائر
وكيف لا أحب بلدا ولدت فيه، وأرضه هي أول أرض مس جلدي ترابها، وقد طعمت غذاءها، وشربت ماءها النمير؛ ماء نيلها المبارك الذي يعذر الأقدمون عن زعمهم أن الجنة منبعه انسرب منها إلى هذه الخضراء.
بلد صحبت به الشبيبة والصبا
ولبست فيه العيش وهو جديد
فإذا تمثل في الضمير رأيته
وعليه أفنية الشباب تميد •••
ألا يا حبذا وطني وأهلي
وصحبي حين يدكر الصحاب
وما عسل ببارد ماء مزن
على ظمأ لشاربه يشاب
بأشهى من لقائكم إلينا
فكيف لنا به ومتى الإياب؟
ومولاي الأمير يعلم علما ليس بالظن أن الحكام الغرباء عن البلاد، مهما كانت منزلتهم من العدل، لتأبى عليهم سنة الله في خلقه إلا أن يضيموا الرعية التي لا تمت إليهم برحم أو آصرة موطن. أما رهط المرء، فرحم الله من قال:
لعمري لرهط المرء خير بقية
عليه وإن عالوا به كل مركب
إذا كنت في قوم عدا
145
لست منهم
فكل ما علفت من خبيث وطيب
لذلك كله أقول وأنا آمن الأمير:
ولي وطن آليت أن لا أبيعه
وأن لا أرى غيري له الدهر مالكا
146
وهنا أطرق الأمير ثم انبعث قاضي القضاة قائلا: أظن أخانا المصري لا يغيب عنه أن الأرض قد ملئت اليوم جورا وظلما وعدوانا، وذاع الفساد في البلاد، وعم الشر وطم، فلا بد من إمام عادل يملأ الدنيا قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، ولا يكون هذا الإمام إلا من ولد فاطمة بنت رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، وها هو ذا قد صدق رسول الله وعده، وجاء إلينا إمام المسلمين العادل الرحيم البار برعيته، الداعي إلى الحق، والقائم بنصرته، مولانا وابن مولانا المعز لدين الله بن مولانا المنصور بن مولانا القائم بن مولانا عبيد الله المهدي - أدام الله تأييده - هذا إلى أنه لا يوجد اليوم بين ملوك المسلمين من هو أعز من مولانا نفرا، وأكثر مالا ووفرا، وأقوى سلاحا وشوكة، وأبعد في سياسة الأمم تجربة وحنكة، فكان لذلك من الواجب الحتم على كل مسلم أن يعمل على نشر دعوته، ويستظل برعايته، فما كاد قاضي القضاة يتم كلامه حتى ابتدرت فقلت: إن المصريين لا ينكرون على أمير المؤمنين المعز لدين الله شيئا مما قلت، بيد أن مولانا - حفظه الله - يعرف مما عرف من طبائع للبشر، أن الأمة التي تغلب على أمرها، ويخفق عليها لواء غيرها، وتصبح بالاستعباد آلة لسواها وعالة عليها؛ يقصر أملها، ويبلى رجاؤها، وتضوى أرواحها.
واحتمال الأذى ورؤية جاني
ه غذاء تضوى به الأجسام
وذلك لما خضد الغلب عليها من شوكتها، وكسر من حميتها، فيفضي ذلك على كر الأدهار، وتعاقب الليل والنهار، إلى أن ترأم الذل
147
والاستخذاء، وتشتمل بأردية الكسل والوناء، فيكون من نتاج ذلك ضعف النشاط في القوى الحيوية، وهلم حتى يتناقص عمرانهم، وتتلاشى مكاسبهم، ويعجزوا عن المدافعة عن أنفسهم، فيصبحوا مغلبين لكل متغلب، طعمة لكل آكل، نهبا مقسما لكل ناهب، وثمة شيء آخر وهو أن الإنسان يا مولاي رئيس بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له، والرئيس إذا غلب على رئاسته، وكبح عن غاية عزه، تكاسل حتى عن شبع بطنه، وري كبده. وهذا شر ركب في غرائز البشر، كما أنه وجد مثله في الحيوانات المفترسة، فإنها لا تسافد - كما يقولون - إذا كانت في ملكة الآدميين.
ذل من يغبط الذليل بعيش
رب عيش أخف منه الحمام
وهنا كأن الأمير أراد أن يطوي بساط هذا الموضوع، فانتقل فجأة إلى معنى آخر، فقال: هل يحفظ أخونا المصري شيئا مما مدح به المتنبي الشاعر كافورا؟ وهل لا يزال هذا الشاعر مقيما في مصر؟ فقلت: نعم يا مولاي الأمير، لقد فارقت مصر ولما يزل المتنبي في خدمة مولانا الأستاذ أبي المسك كافور، ولقد امتدحه بأحسن المدح، وحق له أن يمتدحه؛ إذ اللهى يا مولاي تفتح اللها