134
والبردي
135
الذي لا يوجد إلا في مصر، وكثير غير ذلك.
وأما الصناعة فقد خطت بفضل المسلمين خطوات بعيدة المدى، فاستثرنا دفائن الأرض ومعادنها من الفضة والنحاس والرخام والحديد، ومهر المسلمون في ضروب الصناعات الشتى الألوان، فحذقوا صنع الحرير والصباغة وما إليها،
136
وكذلك تراهم قد برعوا وأربوا وتفوقوا في سائر العلوم الصناعية، بله الأدبية والدينية والفلسفية، حتى إن الفرنجة لانبهارهم من براعة المسلمين فيما بلغني يقرفونهم بالسحر
137
وما هو - عمرك الله - بالسحر، إن هو إلا تسنمهم ذروة الكمال، وهوي هذه الأمم الحمراء إلى الحضيض الأوهد.
والنجم تستصغر الأبصار صورته
والذنب للطرف لا للنجم في الصغر
وأما التجارة فلعلك قد شاهدت كثرة السلع والبضائع المجلوبة إلى هذه البلاد والحوانيت والمتاجر المتكاثرة في شوارع البلد، وكذلك عساك قد أبصرت الحركة المباركة في مينائنا وعمال المكوس فيها، مما تتحقق منه أن الجزيرة قد شأت شأوا بعيدا في التجارة بفضل نشاط المسلمين وإقدامهم وبعد هممهم، وكل ذلك بما أثر فيهم روح هذا الدين القويم وآدابه الإلهية.
لقائي الأمير أبا الحسين أحمد بن أبي الحسن الكلبي؛ والي جزيرة صقلية
إني لجالس مع الفقيه الوثائقي في مسجده بعد أن تغدينا وصلينا صلاة الظهر، ثم أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا، إذ دخل علينا المسجد خادم من قبل الأمير، فذعر الفقيه عندما أخذت عينه هذا الخادم، فذعرت لذعره، ثم قال الخادم: إن الأمير يدعوك الساعة إليه ومعك ضيفك المصري، فقلت للفقيه: أثم ما يخاف منه فأفرخ روعي
138
وقال: الآن لا، أظن ثمت شيئا أكثر من رغبة الأمير في أن يستطلع منك طلع مصر والمصريين، وأميرنا - حفظه الله - من خواص أهل الأدب وعليتهم، وإنه لذو حظ عظيم من رجاحة العقل وسجاحة الخلق، يحب الأدباء ويقربهم إليه، ويتحدث معهم كما يتحدث النظير مع النظير، على أن اليوم في صقلية كأنه عيد من أعياد الأهلين؛ إذ كان قد ورد من أيام على الأمير كتاب من أمير المؤمنين المعز لدين الله يأمر الأمير فيه بإحصاء أطفال الجزيرة، وأن يختتنهم ويكسوهم ويحبوهم بالعطايا في اليوم الذي يختتن فيه ولد أمير المؤمنين، فكتب الأمير خمسة عشر ألف طفل، ثم اختتن ولده وإخوته، وقد أمر اليوم باختتان سائر أطفال الجزيرة، وخلع عليهم، وفرق فيهم مائة ألف درهم، وخمسين حملا من الصلات وردت عليه من أمير المؤمنين،
139
فكيف نتوقع شرا من الأمير في مثل هذا اليوم المبارك؟
وقد كان مع الخادم بغلتان فارهتان من مطايا الأمير وقد جللتا بالديباج وحليتا بالفضة، فركبت أنا والفقيه وسرنا حتى وصلنا إلى دور الإمارة، فوقعت عيني على شيء لم تقع على مثله من قبل.
قصور كالكواكب لامعات
يكدن يضئن للساري الظلاما •••
وقبة ملك كأن النجو
م تفضي إليها بأسرارها
لها شرفات كأن الربيع
كساها الرياض بأنوارها •••
كأن جن سليمان الذين ولوا
إبداعها فأدقوا في مغانيها
ولما أن وصلنا إلى دور الإمارة، أشار علينا الخادم بالنزول، وأسلمنا إلى الحجاب، فساروا بنا في ممر مفروش بالحصباء تتخللها الفسيفساء، ثم سلكوا بنا حدائق فيحاء مترامية الأنحاء قد اغلولبت فيها الأشجار، وتعلقت بأغصانها الأطيار، وانسربت فيها الجداول والأنهار، واعشوشبت فيها النجوم
140
والأزهار.
والجو من أرج الهواء كأنه
ثوب يعنبر تارة ويمسك
وما زلنا إلى أن انتهينا إلى قصر الأمير، فرجع الحجاب بعد أن أسلمونا إلى الحجاب المقربين، فرقي بنا هؤلاء سلما ينتهي بالراقي عليه إلى بهو عظيم يملأ صدر الناظر إليه مهابة وجلالا، فاجتزناه واجتزنا بعده غرفا ومقاصير عدة حتى انتهينا إلى مجلس الأمير، وناهيك به مجلسا لم أر ما هو أحق منه بقول من قال:
قصر لو انك قد كحلت بنوره
أعمى لعاد إلى المقام بصيرا