تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

124

ولم أر مثل هذا العدد في بلد من البلدان. ومن غريب الأمر أني كنت واقفا في جوار دار أحد الفقهاء الأعيان في هذه المدينة، وهو أبو محمد القفصي الوثائقي، فبصرت قريبا من مسجده على مقدار رمية سهم عشرة مساجد، ومنها المسجد تجاه المسجد لا يفصلهما إلا الطريق، وأغرب من ذلك أن من بين هذه العشرة المساجد، وإلى نحو عشرين خطوة من مسجد الفقيه القفصي المذكور مسجدا لابنه ابتناه ليتفقه فيه منعزلا عن أبيه.

125

وهذا - عمرك الله - مما يستشف الناظر من ورائه أبهة القوم واعتزازهم بسلطانهم، وأنهم سادة هذه البلاد، ولا جرم كان ذلك باعثا لهم على التنافس في المفاخر والمكارم وسائر خلال الخير والكمال، وهو معنى من المعاني التي يستتبعها الملك والغلب والسلطان،

126

أما القسم الثاني من أقسام بلرم، فهو المعروف بالخالصة، وهو مقام الوالي وأتباعه، وليس فيه أسواق ولا فنادق، وبه حمامان، وفيه مسجد جامع مقتصر صغير، وفيه حبس الوالي، ودار صناعة البحر، والديوان، والأقسام الأخرى الثلاثة، فقسم يعرف بحارة الصقالبة، وهذا القسم أعمر من القسمين السابقين وأجل، ومرسى البحر به، وآخر يسمى حارة المسجد، وثالث يسميه القوم الحارة الجديدة، وأكثر الأسواق في هذا القسم كسوق الزياتين والصيارفة والصيادلة والخرازين والصياقلة والنحاسين، وسوق القمح، وسائر الصناع على اختلافهم. وفي هذه الحارة الجديدة نحو من خمسين ومائة حانوت لبيع اللحم. وهذا مما يدل على استبحار العمران في هذه الجزيرة، ورخاء أهليها، وكثرة عديدهم. فسبحان المعز لمن يشاء.

ولقد حدثني الفقيه الوثائقي حديثا يجمل بنا أن نجلوه لك الآن قال:

127

إن المسلمين لما فتحوا هذه الجزيرة وبلاد قلورية

128

من بر الأرض الكبيرة،

129

واستوثق لهم الأمر، ومدت لهم أمم الفرنجة يد الإذعان، أخذوا حسب عادتهم في كل بلاد يفتحونها بنية الإقامة فيها، وإصلاح حال أهليها، في أن يستنقذوا هذه البلاد من تلك الحمأة المنتنة التي كانت مرتطمة فيها أيام حكم الروم، فنشروا في البلاد ألوية العدل، وعمدوا إلى الزراعة فانتعشت بعد صرعتها، وإلى التجارة فهبت من رقدتها، وإلى الصناعة فانتاشوها من وهدتها، ووثب الأهلون وثبة كأنما أنشطوا من عقال، فكثرت الأموال، واغدودقت الخيرات إلى الحد الأقصى، وافتن الناس افتنانهم في ضروب الترف والنعيم واتساع العيش والتأنق فيه، والتلون بأزهى ألوانه، قال الفقيه: أما عدل المسلمين، فإنك لتجد نصارى هذه البلاد لا يكاد المسلمون ينمازون عنهم بشيء، فالجميع يرتعون متبحبحين متحابين، وكل متمتع بعيشته وعقيدته وطقوسه، فللنصارى كنائسهم كما أن للمسلمين مساجدهم، وإذا جاء عيد من الأعياد رأيت أعلام النصارى بجانب أعلام المسلمين. أما علم النصارى فقد صور فيه صليب مذهب في بهرة ساحة حمراء، وعلم المسلمين قد رسم فيه حصن أسود في ساحة خضراء

130

أما نساؤهم فربما رأيتهن اليوم «الأحد» وهن ذاهبات إلى الكنائس وقد تشبهن بنساء المسلمين؛ لأن المغلوب - كما تعلم - مولع دائما بتقليد الغالب، فانتقبن بالنقب الملونة، وانتعلن الأخفاف المذهبة، ولبسن الحرير الموشى بالذهب، والتحفن اللحف الرائقة، وتزين بكل ما يتزين به المسلمات.

131

إن من يدخل الكنيسة يوما

يلق فيها جآذرا وظباء

وليس يطلب من النصارى سوى تلك الإتاوة التافهة المفروضة عليهم لقاء قومة السلطان على الرعية، وهي ديناران يؤديهما غنيهم، ودينار واحد يؤديه صناعهم وأرباب الحرف منهم. أما النساء والأطفال فليس شيء بمفروض عليهم،

132

وهم يقرون بأنهم لم يذوقوا طعم هذا العيش الأخضر إلا على عهد المسلمين، وأما الزراعة فقد شققنا الأنهار، واحتفرنا الجداول، وأقمنا عليها القناطر الحاجزة،

133

وأحيينا الأرض الغامرة، فأخصبت ودرت وربت، وأخذت زخرفها وازينت، وجلبنا إلى هنا كثيرا من الأشجار والأزهار وضروب النبات التي لم يكن ليعرفها أهل البلاد الأصليون؛ مثل: القطن، والقصب، وشجر الزيتون،

حضارة العرب في الأندلس: رسائل تاريخية في قالب خيالي بديع · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حضارة العرب في الأندلس: رسائل تاريخية في قالب خيالي بديعص ١٩