( ورنة تحت غنة قدرت % من هالك الراء ذامر الألف )
( كأن في فيه لقمة عقلت % لسانه فالتوى على حنف )
( محرك رأسه توهمه % قد قام من عطسة على شرف ) + المنسرح +
وهو بليغ التشبيه في معناه
وأنشد البحتري شيئا من شعر أبي سهل بن نوبخت فجعل يحرك رأسه فقيل له ما تقول فيه فقال هو يشبه مضغ الماء ليس له طعم ولا معنى
وقد نظمت هذا لغرض عرض لي فقلت
( رب خذ للشعر من زمر % أسمعونا منه ما أضنى )
( مثل طعم الماء ليس له % في فم طعم ولا معنى ) + المديد +
ورأيت بعد ذلك بيتا آخر في المعنى وهو
( حديث مثل لعق الماء بحتا % وليس للعق بحت الماء طعم ) + الوافر +
والبحت بالمثناه فوق الصرف
وذكرت بأبيات البحتري في الحبسة ما نظمته قديما وهو
( إن قال شعرا خلته % علكا قويا يعلك )
( وإن شدا فصوته % صوت دجاج يمسك ) + الرجز +
واجتازت جارية بالمتوكل معها كوز ماء وهي أحسن من القمر فقال ما اسمك قالت برهان قال ولمن هذا الماء قالت لستي قبيحة قال صبيه في حلقي فشربه عن آخره ثم قال للبحتري قل في هذا شيئا فقال
( ما قهوة من رحيق كأسها ذهب % جاءت بها الحور من جنات رضوان )
( يوما بأطيب من ماء بلا عطش % شربته عبثا من كف برهان ) + البسيط +
قادم عليه وإذا قدم عليه فليس لأحد منه حظ سواه فاستأذن حينئذ وانصرف مكرما خير من أن تنصرف مجفوا قال فأقمت ببابه شهرا ثم قدم عليه خارجه ابن سنان ومنظور بن زبان الفزاريان وكان بينهما وبين النعمان دخلل أي خاصة وكان معهما النابغة قد استجار بهما وسألهما مسألة النعمان أن يرضى عنه فضرب عليهما قبة ولم يشعر أن النابغة معهما فدس النابغة قينة تغنيه بشعرة
( يا دارمية بالعلياء فالسند % )
فلما سمع الشعر قال أقسم بالله إنه لشعر النابغة وسأل عنه فأخبر أنه مع الفزاريين وكلماه فيه فأمنه ثم خرج في غب سماء فعارضه الفزاريان والنابغة بينهما قد خضب بحناء وأقنى خضابه فلما رآه النعمان قال هي بدم كانت أحرى أن تخضب فقال الفزاريان أبيت اللعن لا تثريب قد أجرناه والعفو أجمل قال فأمنه واستنشده أشعاره فعند ذلك قال حسان بن ثابت فحسدته على ثلاث لا أدري على أيتهن كنت أشد له حسدا على إدناء النعمان له بعد المباعدة ومسايرته له وإصغائه إليه أم على جودة شعره أم على مائة بعير من عصافيره أمر له بها
قال وكان النابغة يأكل ويشرب في آنية الذهب والفضة من عطايا النعمان وأبيه وجده لا يستعمل غير ذلك
وقيل إن السبب في رجوع النابغة إليه بعد هربه منه أنه بلغه أنه عليل لا يرجى فأقلقه ذلك ولم يملك الصبر على البعد عنه مع علته وما خافه عليه وأشفق من حدوثه به فصار إليه فألفاه محمولا على سرير ينقل ما بين العمران وقصور الحيرة فقال لعصام حاجبه