تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

منح الحاج محمد علي باشا للعرب نعمة الاستيطان، وميزهم بما سبق بيانه، وتعهدوا له بما يأتي:

أولا:

إنجاد الحكومة في وقت الحرب بالتجريدات التي تطلبها، بحيث تقدم لهم حاجتهم من الأسلحة والذخائر والمؤن والخيول ودواب الحمل، وتجري عليهم مرتبات محدودة؛ لأنهم في هذه الحالة أسوة بجنودها الذين في خدمتها، فيلزمها تجهيزهم بكل ما يلزم للجندي في ساحة الحرب.

2

ثانيا:

خفر حواجر الجبال ودروبها وتأمين طرقها بدون أي مقابل أو مرتب.

وقصدت الحكومة بسياستها أن تحصل من العرب على هاتين المزيتين، وأن تدرك منهم النتيجة الطبيعية للتوطن؛ إذ ينشغل كل منهم بخدمة أرضه عن الترحل، ويستلذ الإقامة لما ينال من الكسب من الزراعة ويجد من الراحة، وتتنوع أخلاقه فينسى مع الزمن، ومخالطة الأهالي وما يترتب عليها من دواعي المصاهرة ونحوها. تلك الطباع التي تفرق بينه وبينهم، وأن تكفي الأهالي شر غزواتهم دون أن تتكلف شيئا، فضلا عن انتفاعها بقوتهم في محاربة أعدائها، بل كثيرا ما كانت تغري بعضهم ببعض فيقتتلون لمصلحتها كلما اقتضت الحال ذلك.

وقد أخلص العرب النية للرجل وأعقابه، فكانوا خداما أمناء يلبون دعاءهم، ويشدون أزرهم يوم الكريهة، ولا يزال بعض من أفرادهم الذين شهدوا مع إبراهيم باشا حروب الشام والوهابيين على قيد الحياة يذكرون دماء إخوانهم وآبائهم التي أريقت في سبيل تأييد العرش الخديوي، أو توسيع ملكه، وكثير من الذين شهدوا مع خلفائه وقائع السودان والحبشة وما وراءها يحفظون مثل هذه الذكرى.

تلك هي الامتيازات، وهذا ما تحمله العرب نظيرها؛ ولذلك تراها عزيزة عليهم. (3) قيمة الامتيازات في الزمن الماضي والوقت الحاضر

كانت امتيازات العرب التي ذكرناها ظاهرة في الزمن الماضي بمظهرها الفخيم، وكان للأهالي والحكومة الماضية الحق في أن يحسدوهم عليها، أما الأهالي فلأنهم كانوا يحملون أثقال المظالم ويسامون أنواع الخسف والحيف، فتارة يساقون أفواجا مسخرين للأعمال العمومية أو لمصالح الكبراء وهم ينظرون مجاوريهم العرب نظيفي الأيدي مطلقي السراح من هذا الأسر، وتارة يكبون على وجوههم ويوجعون بل يقتلون ضربا بالسياط لا فرق بين وجيه وحقير والعربي لا يمس خاطره بكلمة ولو كان صعلوكا، وطورا يقاسون غير ذلك من وجوه الخسف التي لا تحصى.

وأما تلك الحكومة فكانت تحسد العرب على شممهم؛ لأنهم لم يخفضوا لها جناح الذل، ولم يؤدوا لها أكثر من الحق، وفضلا عن حفظهم كرامتهم من جورها كانوا يحمون منها كل من يلجأ إليهم من الأهالي المستضعفين، الذي كانوا يأوون إلى نجوع العرب وعزبهم، ويقيمون في جوارهم أو في خدمتهم آمنين.

تلك قيمة امتيازات العرب في الزمن الماضي، وهي قيمة غالية تستحق أن تشترى بالنفوس التي ضحيت في سبيلها. أما الآن وقد رفعت عن الأهالي كل المظالم التي كان العرب يمتازون عليهم بالمعافاة منها، وأصبحوا وإياهم سواء في التمتع بالراحة إلا من خفر الجسور في وقت الفيضان وهذا يوشك أن يلغى نظامه الإجباري، وخففت مصاعب الخدمة العسكرية النظامية، وسهلت طرق التخلص منها بأوجه المعافاة المدونة في القانون أو بالبدل النقدي اليسير حتى كادت تكون اختيارية محضة، فقد ضعف شأن تلك الامتيازات إلى ما لا يكاد يحس؛ إذ انحصرت في المعافاة من الخدمة العسكرية، ومن خفر جسور النيل زمن الفيضان، وكلاهما يسير جدا؛ فالخدمة العسكرية لا يبلغ من يلحق بها ومن يدفع البدل النقدي اثنين في الألف من ذكور الأهالي،

3

وخفارة النيل لو قسمت على ذكورهم القادرين على العمل - أي الذين من سن 15 إلى 50 - لما خص الواحد أكثر من نصف يوم في السنة.

4

فإعفاء العرب من هذين النظامين يقدر طبعا بهذه النسبة، أي أن الحكومة تعفي اثنين في الألف من ذكورهم من الخدمة العسكرية أو دفع البدل، فلو وزعنا بدلية الاثنين على الألف لخص الواحد أربعة قروش، وتعفي القادرين على العمل من اشتغال الواحد منهم نحو نصف يوم في السنة في خفر النيل، وأجرة نصف اليوم على الأكثر قرشان. جملة ذلك ستة قروش. هذه هي قيمة امتياز العرب الآن، وهي لا تستحق من الحكومة هذا الاهتمام الكبير الذي جعل الأمر في أعين العرب كبيرا لهذا الحد، فليتها تطرح الاهتمام به ظهريا حتى يراه أصحابه بقيمته الحقيقية.

العرب البدو في مصر · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

العرب البدو في مصرص ٣