وإن العرب ليقبلون على استيطان البلد الآمن الذي يغلب على حكومته سلطان العدل ما دامت لا تصادر عوائدهم، ولا تمتهن حقوقهم. والدليل على ذلك حالهم في مصر؛ فإن عددهم في سنة 1897 قد ظهرت فيه زيادة عن عددهم في سنة 1882 تساوي ضعفه مرة ونصفا تقريبا، وهي نسبة لم توجد قط بين تعداد وسابقه، ولم تحصل هذه الزيادة الخارقة إلا في المدة التي اشتد فيها ساعد القانون، وعظم احترام الحكومة له وشغفها بإجراء العدل بين الرعية. وليست هذه الزيادة مما تصح نسبته للتناسل، بل قدرها ونقص عدد الرحل وزيادة المقيمين بعزبهم والمقيمين مع الأهالي يدل على أن الرحل الذين أحصاهم التعداد السابق قد استوطنوا وجاء غيرهم واستوطن. وها هو بيان تقابلي من الإحصاءين:
سنة 1882
سنة 1897
عدد
عدد
21313
240880
مقيمون مع الأهالي
127020
290075
مقيمون بعزبهم
98196
72472
رحل بخيامهم
246529
603427 (2) أصل الامتيازات وماهيتها وما بنيت عليه
كان العرب إلى عهد ساكن الجنة محمد علي باشا رحلا إلا قليلا منهم، وكانوا دائما يغزون البلاد القريبة من الحواجر، ولم تكن يومئذ حكومة ترد غاراتهم عن الأهالي الضعفاء. ومع أنهم كانوا أقوى عنصر في القطر تخشى الحكومة بأسه وتتباعد عن مناوأته، فلم يكن لهم مطمع في منصب الحكم لأن أخلاقهم الاجتماعية أبعدتهم عن التفكير في شيء من هذا القبيل، ولعل ذلك من الأسباب التي كانت تحمل كل واحد يئول إليه أمر البلاد على محاسنتهم والتغاضي عن سيئاتهم.
فلما آل أمر البلاد إلى الحاج محمد علي باشا وجد فيها العرب وذاك شأنهم، والمماليك وهؤلاء - مع كونهم أقل عددا من العرب وأضعف جندا - كانت لهم الكلمة النافذة؛ حيث كانوا يعتبرون البلاد ملكهم، وكانوا مستأثرين بالسلطة فيها، فكان في حاجة للتغافل عن العرب حتى يريح باله من خصومه، فلما تم له ذلك وجه نظره نحو المسألة الثانية.
رأى أن ترك العرب على حالتهم لا يرجى معه أمن للأهالي، ولا راحة للحكومة، وأنه لو كف عدوانهم بالقوة يحمله ذلك ما لا قبل له به إلى ما شاء الله، فدبر سياسة توطينهم ودعاهم للإقامة في البلاد على الرحب والسعة، وأقطعهم أراضي واسعة ليشتغلوا بتعميرها واستثمارها. فتطيروا مما دعاهم إليه مخافة احتمال ما لم يألفوه من النظامات، ولم يلبوا دعوته حتى ضمن لهم الامتياز عن عامة الأهالي بإعفائهم من كل نظام تنكره طباعهم وبذلك أعفوا مما يأتي:
أولا:
السخرة.
ثانيا:
الخدمة العسكرية النظامية.
ثالثا:
النظامات الصحية.
ثم كانت الحكومة تستثنيهم عدا ذلك من تنفيذ كل نظام يجمعون على معارضته لمخالفته لعوائدهم
1
كما عملت الحكومة الحاضرة في مسألة قيد مولوديهم ومتوفيهم وتلقيح الجدري لأطفالهم. ويستخلص من ذلك أنهم لا يتقيدون في استيطانهم بنظام غير نظام المحاكمة على الجرائم، والمداعاة بالحقوق، ووضع وتحصيل الأموال الأميرية (بل أعفتهم منها زمنا في بعض الجهات)، والقيام بما تعهدوا به مقابل ما ذكر، كما سيأتي البيان. وكان لهم عدا تلك الامتيازات الصريحة (بأنفتهم وقوة شكيمتهم) أن لا يضرب رجال الحكومة أحدا منهم أو يهينه بقول أو إشارة.
والباحث في علة هذه الامتيازات يراها مبنية على مطالب النفوس الشريفة التي تأبى الضيم وقد انقادت لطلبها بحكم الطبع والعادة على ما بيناه من أخلاقهم الاجتماعية، وليس فيها شيء من مقاصد الطمع في حق الغير أو الهرب من قصاص الجرائم. ولو كان في نفسهم شيء من ذلك لطلبوا امتيازا في المحاكمات الجنائية والمخاصمات المدنية، ولو طلبوه يومئذ لأجيبوا له، ولأصبحت الحكومة الحاضرة تشكو من جرائه ما تشكوه من جراء امتيازات الأجانب. ولكنهم ما زالوا يتقدمون إلى المحاكم الأهلية مدعين أو مدعى عليهم، وما زال الآثم منهم يقاد إلى المحاكم الجنائية ويقضى عليه بما يقضى به على غيره من العقوبات، وتنفذ عليهم أشد الأحكام، وما نفروا من هذا النظام، ولا قالوا عنه كلمة سوء، ولا شكوا للحكومة منه مهما كانت كيفياته التي تكيف بها. ذلك لأنه ليس من أخلاقهم كراهة العدالة مهما بلغت الشدة في إجرائها ما دام مبدأ عدم إذلال النفس الحرة محترما أما النفس الجارمة فلا يؤلمهم أخذها بجرمها، وليس بصحيح ما يقال من كون اللصوصية خلقا شائعا في العرب حيث لم يقم برهان على هذا القول، ولو أحصي المجرمون منهم لما زادت نسبتهم إليهم عن نسبة المجرمين من كل أمة إليها.