تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا، وكان الناس في تصانيفهم مختلفي الأغراض، فمنهم من قصر همته على تدوين الحديث مطلقا ليحفظ نقطه ويستنبط منه الحكم، ومنهم من يثبت الأحاديث من الأماكن التي هي دليل عليها، فيضعون لكل حديث بابا يختص به، ومنهم من استخرج أحاديث تتضمن ألفاظا لغوية، ومعاني مشكلة، فوضع لها كتابا قصره على ذكر متن الحديث، وشرح غريبه، وإعرابه، ومعناه، ولم يتعرض لذكر الأحكام، ومنهم من رتب على العلل بأن يجمع في كل متن طرقه، واختلاف الرواة فيه، بحيث يتضح إرسال ما يكون متصلا، أو وقف ما يكون مرفوعا، أو غير ذلك، ومنهم من قصد إلى استخراج أحاديث، تتضمن ترغيبا وترهيبا، وأحاديث تتضمن أحكاما شرعية غير جامعة، فدونها، وأخرج متونها وحدها، ومنهم من أضاف إلى هذا الاختيار ذكر الأحكام وآراء الفقهاء، ومنهم من قصد ذكر الغريب دون المتن من الحديث، ولكن لما كان أولئك السلف لم يكن صنيعهم على أكمل الأوضاع أحب الخلف الصالح أن يظهروا تلك الفضيلة ويوسعوا تلك العلوم؛ إما بإبداع ترتيب، أو بزيادة تهذيب، أو اختصار، أو تقريب، أو استنباط حكم، أو شرح غريب، فأبرزوا تصانيف في ذلك، فعظم نفعها في الإسلام، وانتشر ذلك العلم في بلاد الحجاز واليمن وعراق العرب وبلاد مصر والشام وبلاد المغرب. (1) الحديث في بلاد الهند

اعلم أن محمد بن القاسم الثقفي فتح بلاد السند في عهد الوليد بن عبد الملك الخليفة الأموي، وتمكنت فيها دولة العرب كسائر البلدان، ودخلها أتباع التابعين ورجال من أهل بيت النبي

صلى الله عليه وسلم

مخافة الخلفاء من الأمويين وبني العباس وتتابع الناس بعد ذلك من أهل العلم، وسكنوا بها وتوالدوا وتناسلوا، وسافروا من بلاد إلى بلاد أخرى، وأخذوا الحديث ورووه بالحفظ والإتقان مدة أربعة قرون، وسارت بمصنفاتهم الركبان إلى الآفاق، أشهرهم إسرائيل بن موسى البصري نزيل الهند، ومنصور بن حاتم النحوي، وإبراهيم بن محمد الديبلي، وأحمد بن عبد الله الديبلي، وأحمد بن محمد المنصوري أبو العباس، كان قاضي المنصورة، وله مصنفات على مذهب الإمام داود بن علي الظاهري، وخلف بن محمد الديبلي، وشعيب بن محمد الديبلي، وأبو محمد عبد الله المنصوري، وعلي بن موسى الديبلي، وفتح بن عبد الله السندي، ومحمد بن إبراهيم الديبلي، وخلق آخرون.

ولما انقرضت دولة العرب من بلاد السند، وتغلبت عليها الملوك الغزنوية والغورية، وتتابع الناس من خراسان وما وراء النهر صار الحديث فيها غريبا كالكبريت الأحمر وعديما كعنقاء المغرب، وغلب على الناس الشعر والنجوم والفنون الرياضية، وفي العلوم الدينية الفقه والأصول، ومضت على ذلك قرون متطاولة حتى صارت صناعة أهل الهند حكمة اليونان، والإضراب عن علوم السنة والقرآن إلا ما يذكر من الفقه على القلة، وكان قصارى نظرهم في الحديث في مشارق الأنوار للصغاني، فإن ترفع أحد إلى مصابيح السنة للبغوي، أو إلى مشكاة المصابيح ظن أنه وصل إلى درجة المحدثين، وما ذلك إلا بجهلهم بالحديث؛ ولذلك تراهم لا يذكرون هذا العلم ، ولا يقرءونه ولا يحثون عليه ولا يجذبون إليه، ولا يعرفون كتبه ولا يعلمون أهله، والقليل منهم كانوا يقرءون المشكاة لا غير، وهذا على طريقة البركة لا للعمل به، والفهم له. وعمدة بضاعتهم الفقه على طريقة التقليد دون التحقيق إلا ما شاء الله تعالى في أفراد منهم؛ ولذلك كثرت فيهم الفتاوى والروايات وتركت النصوص المحكمات، ورفض عرض الفقه على الحديث، وتطبيق المجتهدات بالسنن المأثورة عن النبي المعصوم المأمون

صلى الله عليه وسلم .

حتى من الله تعالى على الهند بإفاضة هذا العلم، فورد به بعض العلماء في القرن العاشر، كالشيخ عبد المعطي بن الحسن بن عبد الله باكثير المكي المتوفى بأحمد آباد سنة 989، والشهاب أحمد بن بدر الدين المصري المتوفى بأحمد آباد سنة 992، والشيخ محمد بن أحمد بن علي الفاكهي الحنبلي المتوفى بأحمد آباد سنة 992، والشيخ محمد بن محمد عبد الرحمن المالكي المصري المتوفى بأحمد آباد سنة 919، والشيخ رفيع الدين الچشتي الشيرازي المتوفى بأكبر آباد سنة 954، والشيخ إبراهيم بن أحمد بن الحسن البغدادي، والشيخ ضياء الدين المدني المدفون بكاكوري، والشيخ بهلول البدخشي، والخواجة مير كلان الهروي المتوفى بأكبر آباد سنة 981 وخلق آخرون.

الثقافة الإسلامية في الهند · الصفحة ٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الثقافة الإسلامية في الهندص ٥٣