تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما علماء الهند فإنهم كانوا يعتمدون على تلك المراصد، وكان فيروز شاه البهمني أمر أن يوضع ببالاگهات قريبا من دولة آباد، وولى على ذلك السيد محمد الكاذروني والحكيم حسن بن علي الگيلاني وغيرهما، فاشتغلوا بذلك، ولكن الحكيم مات قبل أن يتم أمر المرصد، وحدثت أمور عاقتهم عن ذلك، وأرد العلامة محمود بن محمد الجونپوري أيام شاهجهان بن جهانگير الدهلوي أن يتولى المرصد فدخل أكبر آباد وتقرب إلى آصف جاه، وطلب منه المؤنة، ولما كان شاهجهان المذكور عازما على بعث العساكر إلى بلخ وبدخشان لم يقبله.

ثم لما أفضت السلطة إلى محمد شاه الدهلوي، جمع علماء عصره من أقطار مملكته، وأمرهم أن يضعوا الآلات الرصدية، وأن يقيسوا بها الكواكب ويتعرفوا أحوالها بها، ففعلوا ذلك، وتولى المرصد بمدينة دهلي مرزا خير الله بن لطف الله الدهلوي ومولانا محمد عابد الدهلوي والسيد نعمة الله الجزائري وخلق آخرون، وكان رئيسهم مرزا خير الله المذكور، وذلك في سنة إحدى وثلاثين ومائة وألف، وبذل محمد شاه المذكور على ذلك ثلاثين «لكا» (ثلاثة ملايين) من النقود الفضية، فأدركوا بها بعض ما لم يدركه القدماء من الراصدين؛ منها أن القدماء كانوا يزعمون أن المدار الذي خارج عن المركز دائرة، فاستخرجوا التعديلات الجزئية باعتبارها، فخالفهم في ذلك مرزا خير الله المذكور، وادعى أنه وجد مدار الشمس وجميع مدارات الحوامل الخارجين عن مراكزهم على أشكال بيضوية، وبرهن على ذلك في كتابه زيج محمد شاهي.

ومنها أن الراصدين الأول كانوا يزعمون أن حركات الأوجات والجوزهرات للخمسة المتحيرة غير مختلفة فيما بينها، وكانوا على مذهب القدماء في أن حركتها بطيئة كحركة فلك البروج، فكشف القناع عن ذلك علماء الهند في المرصد المحمد شاهي، وأدركوا بها أن حركة الأوجات والجوزهرات للخمسة المتحيرة لها مقادير مختلفة فيما بينها، وكل منها لا تماثل غيرها في الحركة؛ ومنها أنهم قدروا الزمان للشهور القمرية تسعا وعشرين درجة، وتسعا وثلاثين دقيقة، وخمسين ثانية، وأربعة ثالثة، وأربعا وعشرين رابعة، وأربعا وثلاثين خامسة، ومنها أن القدماء كانوا يزعمون أن فلك الزحل كروي كأفلاك أخرى، فاكتشفوا بالمرصد المحمد شاهي أنها إيليلجي ليس بكروي، ومنها أن للمشتري أربعة أقمار تدور حولها، ومنها أن أكثر الثوابت المرصودة لها حركات كالسيارات، ومنها أنهم وجدوا سمات مختلفة في جرم الشمس وأدركوا لها حركات وضعية، ومنها أن الزهرة والعطارد كالقمر في الهلال والبدر والمحاق، وكذلك اكتشفوا شيئا كثيرا في الهيئة والنجوم لم ينكشف على القدماء.

ثم وضع مرصد بمدينة لكهنو في عهد نصير الدين الحيدر اللكهنوي، وضعه الحكيم مهدي علي خان الوزير سنة 1247، وولاه هربرت أحد المهندسين من طائفة الإنكليز، واستخدمه بألف وسبعمائة ربية شهرية، ووضعه في الرفقة السلطانية قريبا من «خورشيد منزل» في قصر بناه الجنرال مكلود المهندس في عهد سعادت علي خان، ومات هربرت قبل أن يتم أمر المرصد، وغفل الولاة عن ذلك إلى مدة طويلة، ثم توجه إليه محمد علي شاه اللكهنوي وبذل على عمارته أربعمائة ألف ربية، وجلب الحجارة من مرزاپور لنصب الآلات الرصدية عليها بخمسين ألف ربية، وجلب الآلات الرصدية من لندن بمائة ألف ربية، وتلك الآلات الرصدية كانت مطابقة لآلات كانت في المرصد الواقع «بگرينچ» في لندن، وولي عليها كرنل ولكاكس الإنكليزي فأتمه في عشر سنين، واستخدم فيه رجالا كثيرة من الإنكليز وأهل الهند، منهم المولوي عبد الرب وكمال الدين الحيدر والمفتي إسماعيل بن الوجيه المراد آبادي وخلق آخرون، وترجم كمال الدين المذكور تسع عشرة رسالة في الفنون الرياضية، ومات ولكاكس المذكور سنة 1848 في عهد واجد علي شاه اللكهنوي، فاختل أمر المرصد بعد أربع عشرة سنة وبعد ما أنفق عليه ألف ألف وتسعمائة ألف من الربية. ولما كان واجد علي شاه المذكور غير ميال إلى أمثال هذه الأمور أمر مجد الدولة أن ينقل خزانة الكتب من المرصد، ووهب الأبنية لوزيره نقي علي خان كما في قيصر التواريخ.

الثقافة الإسلامية في الهند · الصفحة ١٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الثقافة الإسلامية في الهندص ١٠٩