تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما أستاذنا صديقي لطفي باشا السيد، فإن له في الأشياء والأحداث نظرة تعلو نظرتي ونظرة غيري. إنه رجل حكيم، تحمله فلسفته على اعتبار كل ما في هذا الوجود مستغلقا، وأن النافع والضار إنما هما وصفان لحقيقتين اعتباريتين، أو على الأكثر نسبيتين، وأن الحقيقة الحق عنقاء مغرب لا يعلمها إلا واجب الوجود. أما ابن آدم فلا يستطيع بعقله المحدود إدراك كنهها، بل إن شأنه في الحياة إنما هو محاولة تعليل ما يزعم أنه الحق، وإن كان هذا الحق الذي يزعم بعيدا عن حقيقة الحق بعد الأرض عن السماء!

ومن أجل هذا نسمع أستاذنا لطفي باشا كثيرا ما يردد قول شيخ المعرة جليس الدكتور طه بك وأنيسه:

إنما نحن في ضلال وتعل

يل فإن كنت ذا يقين فهاته

ومن أجل هذا فسيان عنده أن تبقى حروف العربية كما هي أو تستبدل بها الحروف اللاتينية أو الصينية.

أما باقي إخواننا الأجلاء - وهم في الطليعة من علمائنا وأدبائنا وشعرائنا - فعلة إمساك أغلبهم الخوف من قيام قيامة الناس - لا قيامة الحق - عليهم لو مسوا القديم. وكأني بهم يحبون ألا يذكروا من القواعد المعروفة إلا قاعدة «بقاء القديم على قدمه.» وعلى الأخص الأستاذ الشيخ المغربي الذي تحفز هو أيضا في الجلسة الماضية للحيلولة دون استيفاء بياني. لكني أصارحهم بما يعلمون ويهملون، أصارحهم بقاعدة «الضرر يزال»، وقاعدة «الضرورات تبيح المحظورات»، وقاعدة «درء المفاسد أولى من جلب المصالح» وأصارح الأستاذ المغربي بما تكرر وروده في القرآن الشريف من النعي على من يقولون:

إنا وجدنا آباءنا على أمة ... وأستغفر الله من أن أريد بالإشارة إلى الآيات الكريمة مثل المقام الذي نزلت فيه، وإنما ما ذكرت هو خير عبارة عربية أقتبسها للتعبير عن مرادي. ثم أصارحه بأن رسم العربية الحالي لم ينزل الله به من سلطان.

أصارح بهذا ثم أسترعي سمعكم إلى أن قصور رسم الكتابة العربية يحز في صدور أهل العربية من زمن طويل. ولو أعدتم الاطلاع على محاضر الجلسات التي وزعت عليكم من نحو عشرة أيام لرأيتم بمحضر جلسة 8 فبراير سنة 1941 أن نادي دار العلوم - وكل رجاله من معلمي العربية - قد اهتم من عهد بعيد بشيء بسيط من مسألة تيسير الكتابة العربية ولم يسفر اهتمامه عن نتيجة. ثم رأيتم أن هذه المسألة عرضت على مؤتمر المجمع في دورة سنة 38-39 أي من نحو خمس سنوات. وأن المؤتمر عين لبحثها لجنة مشكلة من حضرات الأساتذة المحترمين: الجارم بك، وإبراهيم حمروش، والخضر حسين، وعبد القادر المغربي. وأنه بجلسة 2 فبراير سنة 1941 تجدد اقتراح النظر فيها، بل إن وزارة المعارف أصدرت قرارا في 6 فبراير سنة 1941 عهدت فيه إلى المجمع بحثها كيما تصبح الكتابة بحيث «لا يتعرض قارئها للخطأ واللحن.» وطلبت إلى المجمع أن يفيدها بنتيجة بحثه لغاية سنة 1941، ولكن لم يستطع أحد إجابة وزارة المعارف بشيء، على أن البحث استمر. وبعد كل هذا الزمن الطويل لم نظفر إلا بذلك المشروع الذي قدمه حضرة الأستاذ الجارم بك بعد الكد والجد والاستعانة بثقة من الثقات الاختصاصيين في فني الخط العربي والطباعة. ولئن كنت اعترضت على ذلكم المشروع، إلا أني عندما يأتي دور النظر فيه سأبين لحضراتكم عيوبه تفصيلا ثم بالكتابة أيضا إذا شئتم.

12

على أني إذ أصارحكم بما قدمت، فإني في قرارة نفسي أشكو إلى الله وحده بثي وحزني من أن تلجئني ظروف العربية إلى اقتراح العدول عن رسمها إلى رسم أجنبي لا نحن منه ولا هو منا. إنها مرارة أتجرعها وأطلب إليكم أن تتجرعوها، وهذا علينا جميعا كثير جدا وجد أليم. غير أن المسألة مسألة حياة للعربية أو إزمان مرض، ثم موت يعجل به ما يبدو من الأمم القوية من العمل المتواصل على تبسيط لغتها لنشرها بين أمم الشرق الضعيف. وعملها هذا إذا كان - كما هو الواقع - من الضرورات الحيوية لنا سياسيا واجتماعيا، فإن ثمنه - بالبداهة العقلية - تراخينا في خدمة لغتنا، فإنه ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه. واللغات كالسلع ينفق منها البسيط الرخيص ويكسد الغالي المتين. وليس بنافع في علاج لغتنا أن يقترح حضرة الأستاذ كرد علي بك - عقب مقاله التاريخي الضافي الذي تلاه على المؤتمر بالجلسة الماضية - إيجاب تعليم العربية تعليما عمليا بالتخفيف من قواعدها وبمضاعفة العناية - في المدارس - بتعويد الأطفال صحة النطق بها «أي سجية» كما كان ينطق الجاهليون، أو أهل صدر الإسلام. إنه اقتراح نظري ظريف، ولكن ما السبيل إلى تحقيقه مع تعقد الرسم الحالي؟

الحروف اللاتينية لكتابة العربية · الصفحة ٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحروف اللاتينية لكتابة العربيةص ٧٢