أن الحروف اللاتينية ترسم في المطبوعات كل بأصل هيكله المعين له، وتوضع في الكلمة الواحدة متجاورة فقط لا متصلا بعضها ببعض ولا مجنيا على أصل هيكلها باتصال متعدد الهيئات، كما هو الشأن في الرسم الحالي. ثم هي في المخطوطات اليدوية ترسم كذلك غير متصلة إلا بذنباتها الطرفية مع بقاء جوهر هيكلها سليما محفوظا من كل تغيير مضلل. هذا الرسم البسيط المدرجة في غضونه حروف الحركات، فيه ما لا غاية بعده من تسهيل القراءة الصحيحة على الكافة. وحسب معلمي الأطفال أن يفهموهم نظرية المقاطع - وهي بسيطة كما أسلفنا - حتى يستطيع الطفل أن يقرأ أي مطبوع بعد نحو شهرين أو ثلاثة فقط، كما دلت عليه التجربة في تركيا، وكما هو مشاهد كل يوم في أولادنا الذين يتعلمون لغة أجنبية في مدارس الحكومة أو غيرها. فإنهم بعد زمن وجيز جدا يستطيعون قراءة أي نص مطبوع منها قراءة مضبوطة لا تحتمل شكا ولا تصحيفا. بينما هم قبل ابتدائهم تعلم اللغة الأجنبية، أو في الوقت نفسه الذي ابتدءوا فيه تعلمها، يكونون قد حوول تعليمهم العربية، لكنهم مع الجد في تعلمها وزيادة ساعات الحصص المقررة لها، يقضي الواحد منهم كل سني الدراسة من أولي وابتدائي وثانوي وعال أو جامعي، ويخرج بعد هذا الزمن الطويل العريض غير مستطيع - بسبب سوء الرسم - قراءة أي نص مطبوع - بله المخطوط - من لغته العربية قراءة صحيحة. وهي خصوصية جهل لا تتحقق في أمة من الأمم المجاورة لأوروبا إلا في أهل العربية، حتى ليصح أن يعرف الواحد منهم - أنا أو غيري ممن ليسوا هنا - بأنه «كائن عريض الأظفار، كاتب، قارئ، جاهل قراءة ما يكتب هو وما يكتب له قراءة صحيحة!» يا للخسار، ويا للعار والشنار!
وبعد هذا يتهمون المعلمين بالقصور أو التقصير، ويفرضون لهذا المجمع اللغوي قوة سحرية لم يهبها له الله ولم يكسبها أحد من أعضائه بعمله، فيطلبون إليه تحسين شأن العربية! كيف يكون هذا التحسين والوسيلة الأساسية إليه خائبة كما ترى؟! (ه)
أن طريقتنا التي توجب كتابة كل كلمة قائمة بذاتها من أسماء ظاهرة وضمائر وصفات وظروف وحروف، وعدم وصل كلمة بأخرى إلا عند التعذر كما سبق البيان، وأن يكون رسم كل كلمة مستوفيا صورته اللغوية الوضعية، وأن يكتب الحرف الأول من الأسماء وحدها بخط كبير (في كتب الهجاء والتمرين للأطفال فقط)، هذه الطريقة فيها كل تسهيل للتعليم والتعلم؛ إذ المبتدئ بمجرد نظرة يلقيها على النص المكتوب يدرك الاسم ويدرك الضمير ويدرك الظرف ويدرك كل حروف المعاني التي اعتادها، فتضيق الدائرة التي يبحث فيها عن الفعل وعن المصادر والصفات، وهي فائدة لا تخفى على أحد. (و)
إن المعلمين ليخدعون أنفسهم عندما يصححون ورقة الإنشاء الذي هو أهم ما يقصد من التعليم، ذلك بأن التلاميذ لا يستعملون الشكل، بل يكتبون الكلمة محتملة لأوجه مختلفة من الأداء؛ فالمعلم يقرؤها على الوجه الصحيح، فيظن أن التلميذ كتبها على هذا الوجه، وغالبا ما يكون هذا غير موافق للواقع من نية التلميذ. فإذا كتب التلميذ فعل «ظفر يظفر» من غير شكل فإن المعلم يقرأه على هذا الوجه الصحيح (المشكول هنا)، ولو أنه سأل التلميذ قراءته فغالبا ما يقرؤه «ظفر يظفر أو يظفر» على هذا الوجه غير الصحيح. لكن الأستاذ لا يسأل أحدا من تلامذته قراءة ورقة الإنشاء. وهذا كتم للدم على القبح. أما لو أن كتابة التلميذ كانت بالحروف اللاتينية لما انخدع المعلم ولما بقي التلميذ قارا على خطئه. (ز)
بل كما يخدع التلميذ معلمه - بقصد أو بغير قصد - فإن رسم العربية الحالي ييسر لكثير من الكتاب أن يعيشوا بجهلهم على حساب سلامة نية القراء؛ فبعض من يضعون مقالات ويرسلونها - مثلا - إلى الأستاذ أنطون الجميل بك لنشرها في جريدة الأهرام التي يديرها، إذا هم كتبوا فعل «ظفر» ماضيا أو مضارعا كما كتبه التلميذ، فإن حضرة أنطون بك يقرؤه صحيحا كما يقرؤه المعلم، ويظن أن نية محرر الرسالة عند الكتابة إنما هي تعمد الوجه الصحيح. فيستمر محرر الرسالة على جهله لأن المدير في الغالب لا يراه ولا يلاحظ له على رسالته شيئا. لكن لو أن الكتابة هي بالحروف اللاتينية لألقى كل كاتب باله لما يكتب؛ لأن خطأه يكون بارزا يلحظه مدير الجريدة وغيره عند القراءة ويقدر درجة علمه بالأوضاع العربية أو جهله بها. وإلقاء البال مفيد جدا في تعويد الكتاب أوضاع الفصحى ومفيد في تعميمها. (ح)