تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا الكلام المعسول الطريف الظريف كره إلي الهوى، فلن أستفتيه أبدا ما حييت.

لم يبق لي بعد من أهل الفتيا إلا العقل، وها أنا ذا أرى أن ما قسمت لي منه فركنت إليه وصحبني كريما راضيا مرضيا، قد غرر بي في الساعة الأخيرة من صحبته التي امتد أجلها.

أرى هذا، وأرى ما أودعته منه في الناس قد أفلس، وقلت قيمته وكسد سومه، وأن التقول والتأفك والزور والبهتان، وهي من بنات الهوى، أصبحت هي الصائح المحكي، وليس لغيرها صوت ولا همس ولا صدى.

عفوك اللهم! أإلى هذا العقل المفلس الذي أضحى هو والهوى سيين في قرن، بل الذي طعنه الهوى في النوادي والمجتمعات فأسال دمه، وأقصاه عن مقعده ذات اليمين إلى مزجرة مستوبلة مستحقرة ذات الشمال، بل الذي تبلد واستخذى وسفه نفسه فحجر عليه المحتسب، وقتر عليه رزقه فهزل وبدت من هزاله كلاه، فسامه من شكوله كل مفلس؟ أإلى مثله تشاء إرادتك أن تكلني لحل معمى تلك الأحجية، وتقرير خطئي من صوابي؟! لا. لا. لا! إنك لأعدل من أن تريد بي هذا الشر المستطير، وأحكم من أن تكلفني توجيه وجهي في الاستفتاء والاستقدار والاستبصار إلى الجامدين من مفلسة العقول. •••

رب إنه لا عصمة إلا لك وحدك، وأما مثلي من بني الإنسان فقد كتبت عليه النسيان، والحوادث تنسي، والموقف كيوم الساعة، ترى الناس سكارى وما هم بسكارى. إني نسيت، لكني ذكرت الآن! ذكرت أني ظلمت نفسي بما أثمت عقلي، فأستغفرك مما رميته به من تهمة التغرير بي في هذا الرأي الذي أقام قيامة الفارغين. أشهدك أنه لم يأل جهدا من قبل في تبصيري بهذه القيامة الهوجاء، فاغفر لي ما فرطت في جنبه، فإنك أنت العفو الغفور . •••

ها إني أشعر باستجابة استغفاري، وها قد صرح المحض عن الزبد، وبان الصبح لذي عينين - كما قال بعض المتقولين - وانجاب عن البصر الغطاء، وانقشعت سحابة ذلك الشك الأليم، واطمأننت إلى أني لم أخطئ، بل إني بفضل الله جد مصيب.

فإليك عني ودعني من عبدة الأوهام، واستمع لما أقص عليك من نبأ المشكلة القائمة، مشكلة رسم الكتابة العربية التي يدور عليها الكلام، ويكثر فيها الملام، وتطيش الأحلام.

2

إني رجل من أهل العربية، نشأت في حجرها ومارستها إلى الشيخوخة، وسأمارسها ما دام في الأجل انفساح. وليست ممارسة العربية بالأمر الهين؛ فقد شقيت أنا وغيري بها شقاء مرا: (1)

لأن

طول العهد ما بيننا وبين أهلها العرب الأولين نكر معالمها وعمى سبلها. كان هؤلاء الأولون يتفاهمون بها وينطقون عباراتها نطقا صحيحا بالسجية، والسجية لا كلفة فيها ولا عناء ولا استكراه؛ لأنها عادة ينطبع عليها اللسان، كسجيتك في النطق بلهجتك العامية سواء بسواء. لو كنت شاهدهم - عصر النبوة، ومن قبل عصر النبوة - لرأيت الفصحى تتدفق من أفواههم زاكية زاهرة باهرة، معتدلة القوام، سليمة من الآفات، لا يجدون في أنفسهم ضيقا بها ولا حرجا، ولا يحتاجون في تقويمها لمتون ولا لشروح وحواش وحواشي حواش، ولا يلجئون لابن من أبناء مالك أو عقيل، ولا لأشموني، ولا صبان. (2)

ولأن قواعد نحو الفصحى وصرفها بالغة في الصعوبة والتعقد والعسر والارتباك، ترغمك الآن على الرجوع إلى تلك المتون والشروح، والتعرف إلى أولئك العلماء الأجلاء. (3)

ولأنها - كما وصلت إلينا - ليست لغة واحدة يخف حملها، بل هي جملة لهجات جمعها أوائل المسلمين وكدسوا في المعاجم مفرداتها جميعا، وشواهدها جميعا، فألقوا على كواهلنا في المدارسة والاصطناع أضعافا مضاعفة من الأوقار والأوزار والأحمال الثقال، وزادونا في الدرس والتحصيل عناء وشقاء وبلاء، وبغوا علينا، من حيث يشعرون أو لا يشعرون، وظلمونا ظلما عظيما، وجعلوا من بالعدوة القصوى من النظارة والمراقبين يتفرجون بنا ويبتسمون لقوة صبرنا على احتمال تلك المكاره والأوزار؛ إذ يرون أنفسهم قد خفت عليهم مئونة لغاتهم، فهم يحلقون فوق رءوسنا في جو السماء ، ويروننا كالبراذين الدبرة المجرحة نجر حمل لغتنا ومن ورائنا سائق غليظ يسومنا صعود الجبل، وليس لنا من منجد ولا مغيث. (4)

الحروف اللاتينية لكتابة العربية · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحروف اللاتينية لكتابة العربيةص ٤