غاية الأمر أن استعمال إحدى العبارتين يكون تبعا لما يهتم بالإخبار عنه من فاعليهما، لكن سيدنا شوقي يمنع التعبير الأول بتاتا، ويرى أن «بينما» لها الصدارة كحروف الاستفهام وأسمائه، وأن التعبير الثاني هو وحده الصحيح، ويقول: إن هذا منبه عليه في كتب النحاة، وإن من يريد استعمال التعبير الأول فعليه أن يستبدل بكلمة «بينما» كلمتي «على حين» أو «في حين» مثلا؛ فيقول: «كان زيد يقرأ في حين عمرو كان يأكل.» ولقد حاولت إقناعه بأن في العبارة جملتين، وأن «بينما» لها الصدارة في الجملة الثانية التي هي فيها، وأني لم أنزلها عن صدارتها، وأن هذا لا تأباه أساليب العربية على الرغم مما يحتج به من أقوال النحاة. ولكنه توقف وتأبى وكاد يغوث، فاحتراما لفضيلة ثباته على ما يعتقده الصواب المتعين، وإشفاقا عليه من التغويث، قد حرمت على نفسي استعمال «بينما» واستعضت عنها بكلمتي «على حين» أو «في حين»، وهما على كل حال عربيتان صحيحتان كل الصحة، ومطروقتان في الاستعمال، فلحضرته كل إعجاب به وكل شكر له واحترام.
عبد العزيز فهمي
15 أغسطس سنة 1944
| القسم الأول
| المطلب الأول
1
آمنت بالعقل ورضيت منه بالحاصل، وجريت وأجريت في السبيل التي هدى، والحلبة التي اختار. وفيما أنا آخذ بسنته إذا به يرطمني في تلك المسألة الوحلة؛ مسألة رسم الكتابة العربية، التي شقي بها الأوائل واحتاس فيها الأواخر. أدليت فيها برأيي الذي كونته على هدى هذا العقل، وهو حاضري ومجري قلمي ومحرك لساني، فإذا هو كان يخدعني، وإذا هو ختال!
ألم تر كيف أني ما كدت أنطق بهذا الرأي حتى هبت من صفوف الخاصة والعامة، ممن يساوي ومن لا يساوي، جماهير هائجة هيجان جماعات الدبر وأرجال الجراد، تعول وتولول صاخبة مستصرخة من يعديها على مرتكب هذا الحنث العظيم؟
بل إن سيدا من أغزر الناس علما، وأكثرهم عملا، وأقومهم تدينا، بل حتى هذا السيد المتزن الكريم قد انساق مع التيار فظن الظنون فجمح قلمه، فأباتني، من رحمة له وإشفاق عليه، غير موسد.
ماذا عساني إذن أن أقول أمام تلك الهبات والصيحات والمرازءات؟ أقول ... أقول ... أظن أني مخطئ!
أما سمعت ووعيت منذ الصغر قولهم: «ألسنة الخلق أقلام الحق»؟
هاك ألسنة الجماهير من مخاليق الله تقول إني مخطئ.
إذن أنا مخطئ حقا، بهذا يقضي القياس الذي شرعه أرستطاليس، عابد النجوم اللعين.
لكن أظن أني غير مخطئ!
ألم يبلغك أن الجماهير لا عقل لها؟ أولم تقرأ عن «بيكون» فيلسوف الإنجليز أنه قال: «أخس ضروب الرياء مصانعة الدهماء»؟ أولم تقرأ ما أثر عن ذلك البطل الخطيب اليوناني من أنه إذا صفق له الجمهور وهو يخطب، التفت إلى من حوله قائلا: «ترى أي خطأ فرط مني؟» بل ما لي وللماضي البعيد؟ أولم تسمع من بعض الأحياء أن رجلا من خيرة أساتذة العربية هوسته السياسة فكلف بالمظاهرات، وبينما جمهور أرباب الحناجر يزفه عالي الهتاف، إذا بأحد الظرفاء يندس صائحا بكلمة حسنة الرنين قبيحة المدلول، فاستطاب الجمهور رنينها وطفق يرددها، وامتثل المزفوف الذي يفهم معناها، بعد أن لم يغن عنه صوته الذي بح من المعارضة ولكن أذابته حماسة الغوغاء؟
وإذن فأظنني لم أخطئ ما دامت تلك الجماهير من مخلوقات الله لم تصفق، بل تلقتني بالصفير، بهذا يقضى أيضا قياسا لمولانا أرستطاليس العظيم.
مخطئ؟ غير مخطئ؟ «
That is the question
هذه هي المسألة.»
وإنها لأحجية أعقد من ذنب الضب، ومشكلة غبراء عسراء بالغة في الاعتياص! فمن لي بحلها وإنقاذي مما يساورني، في صحة رأيي أو فساده، من الشك الأليم؟ رحماك اللهم! إذا كنت تدرك الأبصار فإنك سبحانك لا تدركك الأبصار، وقد حكمت بانقطاع وحيك بعد نبيك الكريم، فإلى من تكلني؟ إنه ليس أمامي في هذه الدنيا من أهل العلم الذين نصبوا أنفسهم للفتوى في مثل هذه البلوى إلا اثنان لا ثالث لهما؛ العقل والهوى. أما العقل فقد استضعفني واستوطأ حائطي فتسورها علي، ثم دلف نحوي وتزلف وداهن وألقى في روعي أنك خلقته من نور، فأنست به واصطفيته لنفسي، ثم هش وبش وتطامن وهز ذنبه متملقا، وأوهمني أنك أمرت الشيطان فقبض قبضة من حمأة آسنة منتنة، فخلقت منها الهوى والزئبق والحرباء، وأنك أودعت فيها خصائصها فاستبد الهوى بأخويه فكان جماع تلك الخصائص، فهو أثير طيار طياش، همزة لمزة، هراج هباج، لا حد لأفاعيله في الزمان ولا في المكان. وهو إذا تجسم كان زئبقا زلجا زلقا لا تمسكه اليد ولا تضبطه البنان، ولو أبصره مبصر لما ظفرت عيناه بطائل؛ لأنه حرباءة خنثى مشكل هلوك، تقلبت عبثا بين البعولة، ولما استيأست ارتدت عن مذهب أمها، وصبأت إلى عبادة الشمس، فعوقبت بالتهاويل في إهابها، فيها كل لون وليس لها لون.