تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على أني قد أمسك عن مناقشة هؤلاء المتحمسين، فلا أقول لهم إن ازدهار العربية في صدر الإسلام إنما كان لقرب أبنائها من آبائهم الأولين.

5

ولا أقول لهم إن المجمع اللغوي أمامه كثير من الاصطلاحات العلمية يحاول ترجمتها إلى العربية فلا يستطيع؛ لأن مدلولاتها حديثة الوجود، غريبة عن العرب قبل الإسلام وبعد الإسلام، فيضطر إلى تعريبها بلفظها الأجنبي وإخراجها في ثوب من الرسم العربي، فتجيء متنكرة المعالم لا يفهم أصلها ولا فصلها أحد من سواد الجماهير. ولا أقول لهم كفوا عن الاحتجاج بمقررات الدين؛ فإن حالنا اليوم في الدين خير من حال أغلبية من أتى بعد الخلفاء الراشدين من المسلمين الأولين. قد أمسك عن مثل هذا، وآخذ قولهم قضية مسلمة، ثم أسألهم: متى يا ترى تفيء القوة من غيبتها وتتبوأ بلاد العربية حتى يرجع إلى العربية ما كان لها في الصدر الأول من الازدهار؟ أنبئوني عما قرأتموه في النجوم عن هذا الموعد المرقوب. ألعل لكم من الخليج الفارسي إلى مراكش، ومن حضرموت إلى حلب، جيوشا جرارة، ومدافع هدارة، ومراكب بر سيارة، وسفنا مخارة، تقرب لكم يوم القوة ويوم ازدهار اللغة الموعود، ولكنكم تخبئونها تحت جناح القدر، فلا أرى لها أثرا، ولا أحس لها ركزا، ولا أسمع عنها خبرا من الأخبار؟!

واجهوا الحقائق، سهلوا صعاب الفصحى فإنه ليس لنا عنها محيص، سهلوا قبل كل شيء رسم كتابتها المعقد السخيف، حرروها منه، تفهمكم وتفهموها، ووفروا وقتكم لتفتيش مخابئها؛ فلعل فيها ما قد ينفعكم في الحال والمآل. واحتفظوا بقرائحكم تشحذوها في علم نافع وغرض مفيد. واعلموا أن الغيب لله إن شاء استجاب لنا فرفعنا مما نحن فيه، وإن شاء لم يستجب. فاعملوا ليومكم الذي أنتم فيه كما يعمل العقلاء. ادخروا منه لغدكم، فإن قواكم الله - كما هو رجاؤنا - كنتم على استعداد للاستمتاع بقوتكم، وإن كانت الأخرى - لا قدر الله - رحتم مؤدين واجبكم كراما مأجورين. لا تتحككوا كذبا ورياء بمقررات الدين؛ فوقت هذا قد فات. ولا تتطوحوا في الحماسيات الصبيانية باسم الآباء؛ فزمنها قد مات، وشر البرية من تمحك باطلا بالدين، وأكل خبزه خداعا باسم الدين، وأعجز الناس من استنام على ذكرى الآباء ومجادة الأجداد.

الثامن عشر:

يقولون ما حاصله: عد عما

تذكر من صعوبات العربية وسوء رسمها، واعلم أن العربية اليوم في دور النهوض، وأن العامية تقترب من الفصحى؛ وذلك بفضل الجرائد ومؤلفات الأدباء، وبفضل الخطباء في المجامع وفي المذياع، وفضل المحامين في دور القضاء، وأنه لن يمضي إلا قليل حتى تزول الأمية ويصبح الناس جميعا يقرءون ويفهمون الكتب والجرائد والمجلات، وحتى لا يكون بين العامية والفصحى إلا قاب قوسين أو أدنى.

هذا الاعتراض خارج أيضا عن الموضوع، ومن الأسف أن أراني مضطرا للتكرير. الموضوع الذي نحن بصدده هو تيسير رسم الكتابة العربية «بحيث يؤدي كل حرف من كل كلمة صورته الصوتية أداء صادقا واقيا من الغلط واللحن الشنيع وغير الشنيع.» فهل زوال الأمية وفهم الكتب والجرائد واقتراب العامية من الفصحى يؤدي هذا المقصود؟ ألم أقل لك إن خريجي الجامعة ومن فوقهم لا يستطيع الواحد منهم أن يقرأ صحيفة من كتاب أو نهرا من جريدة دون أن يخطئ في العربية خطأ فاحشا. وإن رسم الكتابة العربية أصبح - كما قال الجارم بك - لغزا من الألغاز. وهل زوال الأمية وما عطف عليه، فيه قوة سحرية تفك هذا اللغز وتضع على الحروف ما تستحقه من الحركات؟ دعنا إذن من هذا الاعتراض المفارق للموضوع.

التاسع عشر:

يقولون: إذا فرضنا أن ما تنشره

الطباعة من كتب الأدب ومن الجرائد والمجلات يستطيع ناشروه إخراجه وفق أصول العربية وقواعدها، فما الرأي في الكتابة بالوزارات والمصالح والمحاكم وبمحاضر الجلسات؟ إن ضبطها يستلزم أن يكون محرروها من الموظفين ملمين بتلك القواعد والأصول، وأن يرجعوا إلى المعاجم كلما أشكل عليهم وزن اسم أو وزن فعل من الأفعال، وإلا فإن كتابتهم بالأحرف اللاتينية التي تضبط النطق ولا تحتمل إلا وجها واحدا من الأداء، تخرج كلها خاطئة في العربية مضللة للقارئين. ثم يقولون إن الأولى إذن الاحتفاظ بالرسم الحالي الذي يحتمل الصحيح من الأداء وغير الصحيح؛ تخفيفا على هؤلاء الموظفين.

الحروف اللاتينية لكتابة العربية · الصفحة ٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحروف اللاتينية لكتابة العربيةص ٢٢