ثم لتعلم يا سيدي أن ما أقول لك لا يمس أدنى مساس بقدر سلفنا الصالحين. إني أعرف لهم فضلهم العظيم أكثر مما تعرف أنت وأضرابك، وأعرف أن العقل الإنساني لم يرق في أية بيئة إلا على سنة التدرج، وباستفادة اللاحقين من عمل السابقين.
ارجع إلى عمل الصالحين السابقين يفدك في العبادات والمعتقدات؛ لأنها لا تتغير بمر السنين. أما أحوال الاجتماع وسياسة الاجتماع وقوانين الاجتماع، فاتركنا أنت وغيرك نساير فيها أمم الأرض، ما دام قوامنا فيها - على كره منك - يحترمون الدين ولا يخلون بشيء من أمور الدين.
أنا وأنت مقتنعان بأن عملك وعمل كثير من أضرابك دنيوي واه لا شأن له بالدين؛ لأني أفهم الدين، ولأنك أنت ترى بعيني رأسك أن جهات التشريع عندنا تشتغل في دائرة غير دائرة الدين.
لا تبتئس من الحق المر! وإذا هاجك الحق فأصررت على الادعاء بأن لعملك قيمة أخرى غير الارتزاق من تجارة الدين، واستمررت تزعم أن فيه خدمة للدين، وأن لك به قصرا في الجنة بجوار الصالحين، فابتئس ما شئت، وخادع أنت والكاتب لك ما مد الله لكما في الغي، وحسابي وحسابكما سنلاقيه يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ... ويومئذ سأسمعكما مصطرخين ترددان:
ربنا أخرجنا نعمل
صالحا غير الذي كنا نعمل
فأعرف أي المخلوقات أنتما. وعليك وعلى هذا الكاتب لك السلام، إن اتبعتما الهدى وسلكتما سبيل المؤمنين.
السادس عشر:
يقولون: إن رسم
العربية الحالي له فائدة عظمى؛ فإن إيجازه وتعقده يقتضيان إعمال الفكر في استبانة الوجه الصحيح من أوجه أدائه. وفي إعمال الفكر ما يشحذ القريحة ويدربها على حل المشكلات.
أرأيت غفلة أشد من هذه؟
إن اللغة وسيلة للتفاهم بين الناس، والتفاهم وسيلة لإدارك المعلومات، وإدراك المعلومات وسيلة لتكييف سلوك المرء في الحياة أو للسير في طريق كشف المجهول من حقائق هذا الوجود، وكشف هذه الحقائق وسيلة لتسخيرها لمصلحة الإنسان. إذا علمت هذا أدركت أن اللغة أولى درجات سلم الوسائل والغايات، وأنها دون ما فوقها وسيلة بحتة لا يقصدها عاقل لذاتها. ولو أنك تعلمت العربية أو الصينية وحبستها في مخك لا تخاطب بها أحدا ولا يخاطبك بها أحد، ولا تكتب بها لأحد ولا يكتب لك بها أحد، لكنت في تعلمها عابثا مسرفا على نفسك بل مختل الشعور. إذا فهمت هذا أيضا فاعلم أن للغة خادمين رابضين تحت رجلي السلم بدون مسعاتهما لا يظهر لها أثر في الوجود، هما اللسان ورسم الكتابة، فإذا انعقد اللسان كان أخرس، وإذا تعقدت الكتابة كانت كمثله خرساء. وخرس اللسان طبيعي أو مرضي، وخرس الرسم صناعي جهلي. فاعتراض حضرتك الذي وقفتك الآن على ما في مطاويه معناه أن مخاطبة الخرس من أجل وسائل التربية والتثقيف، وإضاعة العمر فيها تشحذ القرائح وتمرن على حل المشكلات! أنت يا سيدي في السنة الأولى من الإلزامي، وستستمر راسبا فيها حتى تموت، على حين غيرك جاز المراحل وأصبح أستاذا في كلية العلوم، فاستر وجهك، وصن لسانك عن مثل هذا الهراء.
السابع عشر:
قلت في بيان اقتراحي
إن مشقات العربية «تحملني على الاعتقاد بأنها من أسباب تأخر الشرقيين.» فهب المتحمسون صائحين: كيف تقوله والحال أن تأخر الشرقيين له أسباب أخرى ليس منها صعوبات العربية ومشقاتها؟ كيف تقوله واللغة تابعة لقوة أهلها تزدهر إبان قوتهم وتضعف إبان اضمحلالهم؟ كانت العربية مزدهرة في صدر الإسلام ثم انحطت حين اضمحلت بلاد العربية بما انتابها من الأحداث وبانحراف أهلها من مقررات الدين.
هذا اعتراض «دون كيشوت
Don Quichotte » يضرب بسيفه الخشبي في أطباق الهواء ليمزق الهواء. إني أتكلم عن حال العربية الآن، بعد نيف وألف سنة من صدر الإسلام، وهم يتحدونني بصدر الإسلام! إني أتكلم عن حالها في عصر الناس الحاضر وما تغلغل في بلاد العربية من الأجانب ومن لغات الأجانب، وما قام في مصر وفلسطين ولبنان والشام والعراق وتونس والجزائر وطنجة ومراكش وباقي بلاد العربية من معاهد تنشر فيها الفرنسية والإنجليزية وغيرهما من لغات أمم الحضارة السهلة المأخذ، البعيد رسمها عن التعقد والارتباك. إني أنظر إلى الطبيب والصيدلي والكيمائي وخريج كلية العلوم الذي لا يستطيع أن يتقن الفصحى، وعربيته هو لا تؤاتيه في تعليم الناس ما يجول بخاطره من الأفكار، فيميت فكرته ويحرم منها مواطنيه، وإن نشرها فبلغة أجنبية لا يفهمها سواد المواطنين. وإذا كانت جماهير الأمم إنما تتقدم الآن أو تتأخر بمقدار ما ينشر فيهم وما يفهمونه من مسائل العلوم، فلا شك أن مشقات العربية من أسباب تأخر الشرقيين، بل إني إزاء هذا الاعتراض التهريجي لا أحجم عن القول بأنها أهم أسباب تأخر الشرقيين. تتناحر ألمانيا والروسيا وإنجلترا وأمريكا لتنفذ في العالم إرادة أيتها تستقل بالغلبة، وكل واحدة منها تعتمد في قوتها على العلم دون سواه. وسفير العلم اللغة منطوقة أو مكتوبة، وليس له سواها من سفير، فإذا تعقدت وارتبكت اضمحل العلم في أهلها فاضمحلوا وتأخروا بلا نزاع.