وقد رأينا أن ننشر ما حفظنا من شعرك، فلم نكتف بشعرك في السياسة وما ألم بالوطن والإنسانية من خطب، وإنما نشرنا معه شعرك في الحب والموت، فكم كنت تجيد الشعر في الحب والموت؛ كنت مرهف الحس صافي الذوق مترف النفس، فكنت محبا دائما، وكنت سباقا إلى الشعور بما أضمرت لك الأيام، شأنك في ذلك شأن الشعراء الملهمين.
صاحبت الموت منذ أول الشباب، صاحبته دون أن ترى شخصه، فكنت تذكره دائما: تذكره في حديثك، وتذكره في شعرك، وتذكره حين تناجي نفسك في غير كلام، تحس محضره إلى جانبك وتريد أن ترى شخصه فيمتنع عليك، فتسأل عنه العراف وتسأل عنه قارئ الكف. وكأنه رفع الستار لك عن شخصه في مثل خطف البرق، فرأيته غير مستوثق، وتساءلت عن الموت أتراه ينتظرك بين الموج؟! وقد كان ينتظرك بين الموج الهادئ. كان الموج هادئا جدا، وكان الموت بينه هادئا جدا كذلك، وكانت السيارة عنيفة، حتى إذا بلغت المكان الذي قسم لها أن تبلغه أسلمتك إلى الموت الهادئ والموج الهادئ جميعا، وأثارت في قلوب أبيك وأهلك وصديقك حزنا صاخبا وجزعا عنيفا.
نضر الله وجهك يا بني، وأنزل السكينة على قلوبنا! وجعل ديوانك هذا الضئيل الكبير في قلب كل قارئ وسامع، رسالة حب وألفة ووفاء وإخلاص، ودعوة إلى نصر الحق مهما يكن الحق بعيدا ومهما يكن نصره عسيرا.
نضر الله وجهك يا بني! وعصمنا من هذا العزاء الجدب الذي تجمد له القلوب وتغلظ له الطباع، وجعل لنا في أحاديثك إلينا مصبحين وممسين عزاء عنك حتى نلقاك.
| لو كان دمعي ...
نشرت بصحيفة مدرسة الجيزة الثانوية في مايو سنة 1926، وكان تلميذا في السنة الرابعة. ***
لو كان دمعي مذهبا أشجاني
ما بت يوما في الحياة أعاني
إني وإن طال البكا لمعذب
دامي الفؤاد مقرح الأجفان
ماذا جنيت لكي أعيش معذبا
تفني شبابي كثرة الأحزان؟! •••
يا دهر رفقا قد غدوت معذبا
أمسى وأصبح في دجى الأشجان
في كل يوم حادث وملمة
تدعو الوليد إلى المشيب الداني
فالعين تبكي والفؤاد مقرح
والعمر يقضى والحبيب سلاني
والدهر يرجو أن أذل لبطشه
والجد يأبى أن يذل لثاني
يا دهر لا تك قاسيا متنمرا
حتى أقوم بواجب الأوطان
ومن التخاذل أن أراك مجردا
سيف القتال على الضعيف الفاني •••
جفني وجسمي والفؤاد بباطني
باك سقيم دائم الخفقان
ولقد نظمت الشعر شيمة معشر
حسبوه يعقب راحة السلوان
فطفقت أنظمه طروبا كلما
غنى الهزار على غصون البان
وجريت أنظمه حزينا كلما
ناح الحمام فهاج شجو العاني
يا شعر أنت لجرح قلبي بلسم
وعزاء نفسي في خطوب زماني
| فأجبتها ...
نشرت بمجلة الإرادة في فبراير سنة 1927. ***
قالت وقد سفرت فلاح ضياؤها
يهدى المدلج بات ينشد نورا:
مالي أراك تبيت ترنو للعلا
أتراك تعشق في السماء بدورا؟
فأجبتها: ليلي طويل ما له
من آخر، إني أراه دهورا
ولذا اتخذت البدر خلا في الدجى
وكذا النجوم رضيتهن سميرا
أنت التي هام الفؤاد بحبها
وإذا جنيت عفا وبات صبورا
لولا هواك لما عشقت ولا بكى
طرفي إذا ندب الحمام عشيرا
فإذا وصلت فإنني أبقى على
عهدي وفيا طائعا وأسيرا
وإذا هجرت فإنني أبكي على
حبي شقيا بائسا وكسيرا
يفديك بالروح العزيزة إن وصل
ت وإن أبيت وإن هجرت شهورا
ناديت لما أن خطرت بحينا:
هذا المخلخل فاحذروه كثيرا!
هو ساحر هو فاتك وعيونه
تسقي المنية هائبا وجسورا
لو قد رأتك الشمس سافرة لما
طلعت ولاكتمل الكسوف شهورا
وإذا رآك البدر ولى مسرعا
خجلا ولاكتمل الخسوف دهورا
وإذا رآك الغصن أحنى عوده
خجلا وطأطأ رأسه محسورا
هيفاء أسكرها الجمال تمايلت
وسط الرياض تظنها يعفورا
فإذا رأيت رأيت بدرا كاملا
في ليلة ظلماء ميز نورا
خضعت لأحكام الهوى نفسي وكم
أخضعت قبلا سيدا وأميرا
هيهات ترهبني بطولة فاتك
للحرب وتر قوسه توتيرا
وأبي الذي تعنو الجباه لعزه
يحمي العرين معززا منصورا
فلتسألوا عنه المنابر كم علا