تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجه أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - يزيد بن أبي سفيان على جيش إلى الشام، وخرج يشيعه راحلا، فتعاظم الأمر يزيد فقال: يا أمير المؤمنين إما أن تركب وإما أن أنزل، فقال له الصديق: ما أنا براكب وما أنت بنازل! ثم أنشأ يقول: إن هي إلا خطى أحتسبها لله وفي الله ... إلخ.

لعلك استشعرت ما وراء هذه الكلمة الرقيقة الوادعة من سطوة وسلطان، فإذا تعاظمك - مع هذا - أنها خلت حتى من صيغة الأمر والنهي، فاعلم أن من أسباب قوتها وبأسها إذا لم يكن السبب الوحيد في قوتها وبأسها هو خلوها من ذاك، وكذلك يخبر قائده إخبارا بأن إرادته قد مضت بما سيكون، فليس له بتغيير الأمر يدان!

ونعود إلى القول بأن التدليل على القوة لا يحتاج البتة إلى عنف، ولا إلى صراخ واصطخاب، فمن لنا بذلك الملحن البليغ الذي يصوغ هذه الأناشيد في قوة تنزه عن مثل هذا الصراخ الحقيق بتخويف الصبيان؟

من لنا بذلك الملحن البليغ الذي يصوغ لنا هذه الأناشيد في لحن قوي يشيع فيه الطرب وأقول: الطرب؛ لأنه شرط أساسي في مثل هذه الأناشيد، فالطرب مما يثير الأريحية ويدعو إلى الإقدام.

ومما يحسن ذكره في هذا المقام أن القوة والطرب كانا إلى وقت قريب، هما الطابع المصري لما يصاغ من التلاحين في هذه البلاد، كشأن التلاحين الشامية والتركية جميعا!

وأخيرا فلست أشك في وجود الملحنين القادرين على هذا، ولكن يظهر أنه قد جرفهم هم الآخرين هذا التيار مع الأسف العظيم.

| في السياحة

أذاع حضرة «صاحب العزة أحمد صديق بك» مدير مصلحة السياحة في مؤخرات الشهر الماضي حديثا قيما، رمى فيه إلى حض المصريين على اتخاذ المصايف المصرية، وإيثار بلادهم بالأموال الجليلة التي ينفقونها في البلاد الأجنبية في كل عام، وقد قدر هذه الأموال بأربعة ملايين من الجنيهات!

وقد عرض في حديثه لمنشأ هذه البدعة بدعة خروج المصريين إلى البلاد الأجنبية لسلخ ما يتهيأ لكل منهم سلخه من أيام الصيف، وعلى وجه الخصوص في أوروبا، ورد هذه البدعة التي استحالت عادة إلى أن مصر لما كانت داخلة في ملك الدولة العثمانية، كان من المتعين على الحكام وأصحاب الأخطار في البلاد أن ينتجعوا الفينة بعد الفينة مثوى الخلافة للأغراض المختلفة، وإذا كان جو القسطنطينية لا يوائمهم في الشتاء، فكان من المعقول أن يحرروا فصل الصيف لهذه الهجرة، فجو الآستانة فيه جميل وهواؤها عليل، وجرى من دون هؤلاء على سنة هؤلاء بحكم المحاكاة والتقليد، ثم تحولت دفة المهاجرين شيئا فشيئا إلى بلاد الغرب، حتى بلغت عدتهم عشرات الألوف في كل عام، وأصبح ما ينفقونه يعد بالملايين، وما أحوج بلادنا إلى هذه الأموال، وخاصة في هذه السنين!

ولقد حمل الأستاذ صديق بك حملة صادقة على أولئك الذين يهجرون بلادهم في مطلع كل صيف، شادين الرحال إلى أوروبا في غير حاجة تدعوهم إلى ذلك من طلب علم أو استقصاء بحث، أو تحريك تجارة، أو إنماء صناعة، أو غير ذلك مما يخرج الناس من ديارهم، ويضرب بهم في غيرها من بلاد الله.

وإنني أؤيد حضرته بكل ما أملك من يقين، وأؤكد أننا إذا استثنينا طلاب العلوم والفنون وبعض الأساتذة والأطباء، لا نصيب أكثر من واحد في كل مائة من هؤلاء الذين يطلبون أوروبا في كل عام، وهذا على أسخى تقدير.

أقول: لا نصيب أكثر من واحد في المائة يضطره أي أمر من أمور الدنيا أو الآخرة إلى تلك البدعة التي تستهلك هذه الأموال في كل عام.

أربعون ألف مصري يطلب أكثرهم أوروبا في صيف كل عام، إذن فتعالوا نتحاسب ولنكن في حسابنا حق صرحاء وحق صادقين.

كم مصريا في العام يمضون إلى أوروبا ليستقصوا بحثا يفتح في العلم أو الفن فتحا، وينقض بعض القواعد المسلمة فيهما نقضا، ويطيرهم العلماء في شرق الأرض وغربها كل مطير! العفو!

قطوف البشري · الصفحة ٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قطوف البشريص ٩٤