تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ليس سائغا البتة في هذا الوقت الذي ندعو فيه الأمة شيبها وشبابها، رجالها ونساءها وأطفالها إلى الحياة العسكرية التي لا تعرف ترفا ولا لينا، حتى تستطيع أن تلقي الشدائد مهما يكن لونها، بالصبر والقوة والعزم الحديد.

وأخيرا، يظهر أن أولياء الغناء في مصر تفطنوا إلى أن هذا، ولكن في الأناشيد الحماسية فحسب أمر سخيف مليخ، فماذا صنعوا يا رعاك الله؛ ليخرجوا أناشيد ترج النفوس رجا، وتستحمس الشباب أيما استحماس، ولا تذر في البلاد كلها فتى ولا شابا، ولا كهلا ولا شيخا إلا قذفت به إلى الميدان؛ ليروي غلته إلى الضرب والطعان ما يبالي أن يقع من الموت الزؤام أو أين يقع من الموت الزؤام!

أتدري ماذا صنعوا في سبيل إدراك هذا المطلب الجسام؟ لقد شمروا عن سواعدهم وشدوا متونهم، وقووا عزائمهم، ووحدوا أنيابهم أرأيت الليث وقد تهيأ للوثاب، أو «آخر نبق لينباع» كما يقول أئمة اللغويين، وأطلقوا الحناجر بأصوات ترعب سكان المريخ، لو كان في المريخ سكان!

وليت لي حظا من البلاغة يهيئ لي أن أصف لك بعض هذه الأناشيد الحماسية! ولكني عاجز أبلغ العجز عن أن أفعل، وكل ما أستطيع أن أصورها به لنفسي أن أذكر أيام كنا أطفالا، وكانت العجائز يسلين عنا بفنون الأحاديث «الحواديت»، حتى إذا انتهين إلى «أم الغولة» ونهوضها لافتراس العابر المسكين في جوف الفلاة، جوفن أصواتهن أشد التجويف وفخمن لفظهن أعظم التفخيم، وقلن يحاكين زمزمتها ساعة قرمها وافتراسها: «هم أكلك منين؟»

وأرجو أن أكون بهذه الصورة قد أجدت التعبير عن أكثر هذه الأناشيد.

وصدقوني يا سادتي القراء إذا قلت لكم: إن بعض هذه الأناشيد قد ألقى ذات يوم وأنا جالس، وولدي الصغير بين يدي وهو الآن في طريقه إلى الثانية عشرة، حتى إذا فرغ المنشدون من نشيدهم الحماسي أقبل علي وقال: «يعني يا بابا متحمثناث» وفي سينه وشينه لثغة، فأجبته من فوري: «الحق علينا يا ابني اللي متحمسناش، يا لله بنا نتوكل على الله ونتحمس!»

ما هذا أيها الإخوان الملحنون، وما هذا أيها الإخوان المنشدون؟ ولله أبو الشاعر يقول:

أوردها سعد وسعد مشتمل

ما هكذا تورد يا سعد الإبل

وما هكذا يكون الاستحماس، ولا استنفار الشباب للقتال، بل إنه لا شبه بما كان يدخل به الذعر على قلوب الأطفال في سالف الأجيال.

وبعد، فليست البلاغة مقصورة على فن الكلام، بل إن لكل فن جميل بلاغة، فللتصوير بلاغة، وللموسيقى كذلك بلاغة، وهكذا، فإذا خلا الفن من هذه البلاغة، خرج سميحا مؤذيا، أو سخيفا باردا، كما هو الشأن في الكلام الفسل الركيك، الضعيف التأليف سواء بسواء.

وأنت بعد، خبير بأن البلاغة قوامها الذوق ورعاية المقام، وهنا قد يقول قائل: إذا جاز لك أن تنكر من الملحنين تلك الأناشيد الحماسية التي يشيع فيها اللين والاسترخاء، فكيف لك بأفكار هذه الأناشيد التي وصفتها بالقوة فيما تقدم من الكلام؟

والواقع أن الأناشيد الحماسية كما تحتاج في لفظها إلى الجزالة، تحتاج في نظمها إلى المتانة، وتحتاج أخيرا في تلحينها إلى القوة نعم، تحتاج إلى القوة القوية فذلك هو الأشبه بأيام البأس والدعوة إلى ملاقاة الأهوال، ولكن لعله ذهب عن ذلك القائل: إن العنف لم يكن على الدوام دليلا على الشدة، ولا كان الصراخ عنوانا لقوة الأقوياء! بل لقد يدل هذا وهذا على الضعف والخور في كثير من الأحيان، وإن من يظن أن المعنى الشديد لا يؤدى إلا باللفظ الصاخب العنيف، وإن من يحسب أن الموسيقى الحماسية لا تصور إلا في التلحين الصاخب العنيف، لهو واقع في خطأ عظيم، ولأضرب لناشئة المتأدبين في هذا الباب مثلا من أبلغ الأمثال: كلمة هادئة رقيقة وادعة، قالها رجل هادئ رقيق وادع، ولعله لم يبرعه في هذه الخلال أحد بعد رسول الله

صلى الله عليه وسلم ، وإذا صح أن هذا الرجل كان ممن شك السل صدورهم، فقدر مبلغ حظ هذه الكلمة من الظرف والرقة واللين، فليس أرق ولا ألين ولا أخف على الأذن من حديث مسلول ومع هذا لو تفطنت فإنك واجد هذه الكلمة من الترجمة عن القوة والسطوة والسلطان ما لا يكاد يدانيها في ذلك الكلام.

قطوف البشري · الصفحة ٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قطوف البشريص ٩٣