تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما قناع الوجه فالبرقع الأسود، يرسل من أسفل الجبين إلى غاية الصدر، ويحلى من وسط أعلاه بحلية من الذهب غالبا، أو من الفضة المموهة بالذهب أحيانا، وتدعى هذه الحلية «عروسة» البرقع ولا حاجة إلى وصفها، فلا يزال يضعها بعض «بنات البلد».

وأما الطبقة «العثمانلي» فيتخذن في العادة الحرير «الحبر»، وأما الوجوه فيسترنها بقناع أبيض لا «عروسة» له ولا سواها من الحلي، وربما وضعن بدل القناع «اليشمق»، وهذا كان خاصا بالطبقة الأرستقراطية جدا، لا يشركهن فيه غيرهن، وربما اتخذ نساء الطبقة الوسطى الحرير «الحبر» إذا دعت بعض المناسبات كحضور الأعراس والزيارات ذات الخطر.

ولم يكن التجمل بالمساحيق وما يؤدي مؤداها إلا نادرا جدا، وأكثر ما يكون ذلك في الأعراس ونحوها، وكان الإفراط فيه والمداومة عليه معيبا، وكانت السيدة التي تلزمه موضع حديث السيدات وإنكارهن، وكثيرا ما يتخذنها موضعا للأسمار!

وكيفما كانت الحال، فإن هذا الضرب من التبهج - أعني تلوين الوجوه - لم يكن ليؤذن به قط لفتاة، بل لست أغلو إذا زعمت أنه كان منكرا من سيدة ليست ذات بعل، وإن فتاة تفعل هذا لهي حقيقة بإرسال الألسن وذهاب الأقاويل، وإقفال بيوت الأشراف في وجهها، وانقباض المجالس دونها وتحرجها بغشيانها!

والآن - وبهذه السرعة السريعة - لقد تجرد نساء هاتين الطبقتين وفتياتهما من أرديتهن الخارجية جملة، ونضون الأقنعة فلا قناع البتة، وقصرن الثياب وربما حسرن عن الأذرع، حتى لقد يبلغ النظر أعلى الكتف وأسفلها جميعا، ولست ترى هؤلاء باديات في الطرق إلا كذلك، وأما صقل العوارض ودهانها بالمساحيق البيضاء وصبغ الشفاة بالأحمر القاني أو الأحمر الضارب إلى الصفرة، فلقد أصبح هذا وأمسى من ضرورات السعي في الطريق، بل كاد يصبح ويمسي مما تعاب المرأة بتركه، وتعير إذا هي تخلت عنه!

ولقد تصادفك البنت في الطريق، وهي لما تتجاوز الثانية عشرة أو الثالثة عشرة، وقد صبغت شفتيها بالأحمر صبغا، ولا أقول: دبغتها دبغا! ولقد كثر ذلك وشاع وفشا حتى أضحى لا يلفت من الناس شيئا من العجب، وخاصة عند الناجمين الذين لم يشهدوا الأمهات والأخوات منذ بضع عشرات من الأعوام.

ولقد كان التيار جارفا إلى حد أن سيدة لم تستطع أن تثبت في طريقه أو تثبت ابنتها، وأن رجلا مهما يكن محافظا شديد الحرص على التقاليد، لم يستطع أن يملك عن جرف التيار امرأته أو فتاته، بل إن بروز المرأة اليوم في الطريق ملففة مقنعة، هو الذي يسترعي النظر وقد يستدعي العجب!

بل إنك لقد تجد في طريقك السيدة وقد ذرفت على الستين أو طعنت في السبعين؛ أي ممن نشأن في الحجاب، وتوارين في شتى الألفاف دهرا غير قصير، لقد تراهن اليوم سافرات الوجوه مبديات ما أبقى المقص من شعر الرءوس، بارزات الأذرع والنحور، مقصرات الثياب إلى ما يتجاوز أعلى السوق، وقد بالغن في التبهج والتجمل بألوان الصبغ والدهان!

وأرجو من القارئ ألا يفهم أنني أسوق هذا الكلام على جهة الإنكار، أو أنني أبغي وعظا أو أطلب نصحا، إنما أنا في هذا الحديث مؤرخ واصف لا أكثر ولا أقل، أذكر ما كان في بعض أسباب عيشنا من ثلاثين عاما فقط، وما صرنا إليه بعد هذه الأعوام، وصفوة القول: أننا في هذه المدة القصيرة جدا في مراحل تحول الأمم قد تطورنا تطورا شديدا، وتغيرنا تغيرا كبيرا، ومع هذا فإنه لم تستقر بنا الحال بعد إلى إقرار!

وبعد، فلقد أصبح من الواجب الحتم والحال ما ذكرنا، أن يشمر جماعة من مشيخة الكاتبين في تسجيل هذا التاريخ القريب في مدته، وقد شهدوه وعاشوا فيه، وعرفوا الجليل والدقيق من مظاهر الحياة في إبانه، وإلا عفت معالمه ومحت رسومه وعز على الناس بعد أربعين أو خمسين عاما أن يلتمسوه ويتصوروه كاملا واضحا؛ لأنهم لا يجدون إليه السبيل.

قطوف البشري · الصفحة ٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قطوف البشريص ٦٦