وإذا كان خلفاء الرسول قد ارتفعوا على سائر الناس، فبأنهم إنما ساروا سيرة هذه الشمس التي تطالعهم كل صباح وتغرب عنهم كل مساء، على أنها هي تعمل لعالم الأحياء والأجرام، أما هم فيعملون لعالم النفوس والأرواح.
يعملون جادين جاهدين لا يبتغون من سعيهم نفعا، ولا يريدون من ورائه فخرا ولا ذكرا؛ لأنهم أشد أمانة من أن يقتطعوا لأنفسهم أو لذويهم شيئا مما ينبغي أن يجرد كله للنفع العام.
يعملون لا مستبدين بالرأي ولا مستأثرين، بل مشاورين مصغين مسرعين، حتى إذا اتسق لهم الرأي الذي يرون فيه منفعة المجموع، أسرعوا إلى إمضائه ولو جاء من أصغر الجميع.
أما رأي الجماعة فشرع عندهم مشروع وقضاء مبرم محتوم، يعملون صادقين مخلصين لله وللنفع العام لا كبر ولا مخيلة، ولا استئثار بمنفعة من المنصب والجاه، بل ليس عندهم إلا الإيثار والتواضع، والرقة للضعفاء، وهيهات أن يؤثروا أحدا على أحد إلا بطاعة الله وما قدم من الخير للمجموع.
ولعمري، لتلك أعلى صور الديموقراطية التي يحلم بها أجل الفلاسفة من قديم الزمان.
إذا كان هؤلاء الخلفاء قد انعقد لهم أعظم المجد، المجد الخالد على الدهر، فلأنهم لم يريدوه ولم يسعوا إليه، ولم يشغل هو جزءا من نفوسهم جليلا ولا دقيقا!
وبعد، فلا أشك أن مما أصفاهم لطلب النفع العام، وتجافى بهم عن الاستئثار حتى بالنفع الخاص هو طول الذكر بالموت، وكيف لهم بنسيانه وهذه الشمس العظيمة، باعثة الحياة والحركة في العالم تموت كل يوم بمرأى منهم بعد أقوى الحياة، ولكل شيء نهاية ولكل سائلة قرار!
وإذا كانت الشمس تعود كل يوم فتوالي سعيها في النفع والتجديد والإحياء، فإن زعيما لن يعود بعد موته، ولو لإصلاح ما عسى أن يكون قد أفسد وتعمير ما عسى أن يكون قد خرب، فما له بعد الموت بالأمر يدان.
هذا بعض ما يلهمه حديث الهجرة، وإن فيه لعبرة.
| أسعفوا التاريخ
ليت شعري - لو سألت - بعد عشر سنين مثلا شابا ممن سينضحهم العصر يومئذ، بل لو سألت اليوم شابا ممن هم في الثلاثين فما دون، أن يجلو عليك صورة من الحياة المصرية، وأعني حياة المدن قبل ثلاثين سنة فقط، فكيف تراه يقول؟
أخشى ألا يقول شيئا قط؛ لأنه لا يكاد يعرف منها شيئا قط!
لقد حالت الكثرة الكثيرة من أساليب حياتنا في هذه المدة القصيرة بسرعة لا أحسبها كانت مما يدخل في حساب مؤرخ ولا عالم اجتماعي، ولا غير هذين من سائر المفكرين وبحسب المرء منا أن يلتفت بالذاكرة إلى ما قبل أربعين سنة خلت أو ثلاثين، ويقلبها في نواحي حياتنا لترجع إليه بصفة قوم غير القوم، وناس لا يكاد يرتبطهم شبه بهذا الناس!
لقد تغيرنا سريعا جدا في أخلاقنا، وآدابنا، وأسلوب سكنانا، وطعامنا، ولبسنا، وسمرنا؛ ولهونا، وغنائنا، وزواجنا، وأعراسنا، ومآتمنا، وسائر أسبابنا، فلم يبق ثابتا من ذلك فينا إلا الأقل من القليل، ولا شك أنه كذلك في طريق التطور والتحوير.
وكذلك تختفي من الوجود صورة أمة؛ لتحل في موضعها صورة أخرى إذا قدر لحياتنا قرار قريب.
وإذا كان «لكل سائلة قرار» كما يقول الشاعر، فلا شك في أننا نسلك الآن برزخا بين عيشين مختلفين أشد الاختلاف مفترقين أبلغ الافتراق، عيشين لا يكاد يتسع التصور لأنهما لأمة واحدة، وخاصة في مثل هذا الزمن القصير!
وليس يتسع هذا المقام - بالضرورة - لاستقصاء كل ما تناوله التطور الشديد في بلادنا، ويكفينا أن نعرض الآن نموذجا واحدا يصلح أن يكون مثلا للجميع.
كان نساء الطبقتين العليا والوسطى في هذا العهد القريب، لا يتدلين في الطريق إلا مقنعات محجوبات أمنع حجاب، فللرأس غطاء وللوجه غطاء ولسائر الجوارح غطاء، بحيث لا يظهر منهن إلا العيون من خلل البراقع، وأطراف البنان في قبضهن على مصاريع الملاء.
وكانت هذه الأغطية تختلف باختلاف البيئات، فالسيدة أو الفتاة المتوسطة الحال، تتلفف في الملاءة الغالية نوعا، وقد تكون من الحرير «الكريشة»، وكيفما كان الأمر فهي تلبسها على زي خاص لا ترسلها كما ترسلها نساء الطبقة الدنيا، بل إنها لتضيق على مدار الخصر، وتضفي على ما دونه حتى الكعبين.