يؤمن الشاب الخاطب على موت حميه الموسر أو حماته الموسرة بمبلغ معين، يؤديه هو للشركة إذا حم القضاء وحل إرث الأحماء، وذلك لقاء قسط شهري أو سنوي معين، تؤديه الشركات للشاب المؤمن، وهذا القسط يقل ويكثر طوعا لمبلغ التأمين من جهة، وصحة الحم العزيز أو الحماة المحبوبة من جهة أخرى، وبهذا النظام يكفل اليسر العاجل للشاب، والمغنم الآجل للشركة في حين لا يوتر المرحوم أو المرحومة في زيف ولا صحيح، اللهم وهو ملحود في الضريح، وإن من قد دس في التراب لفي شغل بحساب غير هذا الحساب!
ولعلك قد وفقت على هذا النظام المالي البديع في غير حاجة إلى من يزعم أن أحسن «زبائن» الشركة وأولاهم بالأغلاء في الأقساط وأجورهم بعدم المبالغة في مقدار التأمين، وهم الذين شاعت فيهم الأسقام وألحت عليهم العلل ومن خنقتهم الذبحة أو أبطلهم الشلل، فإذا كان في البول سكر أو زلال فقد تراءت المنى وتدانت الآمال، وإذا كان مع السكر أستون
acétone
فالحظ مكفول مضمون، وإذا كان في الزلال سلندر
cylindre ، فذلك السعد الذي لا يقدر، إذن فقد حق اليسر والبسط وهبط التأمين وارتفع القسط، والله يرزق من يشاء بغير حساب، ولو من طريق العلل والأسقام والأوصاب!
فليبتهل إلى الله من شاء من ذوي اليسار أن ينعم عليه بالعلل التي تقصف الأعمار، حتى يفرح بالأكفاء الظرفاء من الأصهار، دون أن يوثر من درهم ولا دينار، فاللهم قنا الغنى في الدنيا وقنا في الآخرة عذاب النار.
| شركة تنشيف الريق
أكثرت الصحف في هذه الأيام من ذكر مقابلات لحضرة صاحب المعالي وزير الأشغال، خاصة بتخفيض ثمن المياه في القاهرة، كما تردد خبر اجتماعات اللجنة المؤلفة لهذا الغرض من قديم الزمان وسالف العصر والأوان؟ ولقد زعم لي زاعم من المؤرخين أصحاب الإحصاء أن اجتماعها الأخير كان الاجتماع ال 411.
فترى هل آن أن ينجح المسعى وتحط الشركة من أثمان الماء، فقد مضى على سكان القاهرة ستون عاما، وستون عاما غير قليل، وهم يغصون بماء النيل، وكأن الشاعر كان ينظر بلحظ الغيب إلى القاهريين وما يعانون من شركة المياه حين قال:
نفر إلى الشراب إذا غصصنا
فكيف إذا غصصنا بالشراب؟
ترى هل ينجح السعي هذه المرة، ويحق لساكن القاهرة أن يتمثل بقول الشاعر:
فساغ لي الشراب وكنت قبلا
أكاد أغص بالماء الفرات؟
يا قومنا، أقسم لكم بالله - تعالى - غير حانث ولا آثم، إن الشركة ليست تأتينا بالماء من إفيان، ولا من إكس ليبان، ولا من فيشي ولا من بلاد اليابان حتى يلتمس لها العذر، بنفقات النقل في البر والبحر، أجور الحزم واللف والتعبئة والصف، والتأمين خوف الغرق والحريق، وما عسى أن يدركه من العطب في أثناء الطريق، وناهيكم بحساب ما قد يكسد في الأسواق منه، وما قد يبور في المتاجر بانصراف الهواة عنه، ومن يدري فلربما ظهرت «ماركة» ماء جديد، أو «موديل» سنة 1938 أو 1939 فيها من المزايا ليس في هذا الماء، في ري العطاش وبل صدى الظماء!
ليست تجيء بشيء من هذا حتى تغلو هذا الغلو في الأسعار، توقيا للنفقات وتوقيا للخسائر، إنما تدفع إلينا الماء من نيلنا الذي يشق مدينتنا، والذي يجري بين أيدينا، والذي طالما طفى وزاد حتى أغرق البلاد، وأهلك العباد وأتى على اليابسة والخضراء، وألقى بربات الخدور إلى متن العراء، بل إن من يرى متدفقه في دمياط أو في رشيد ليحسب أنه ماض لري العالم القديم والعالم الجديد، وتراه يغذو في شمالنا وجنوبنا ألف ترعة، فإذا جاز بنا ضيقت الشركة ذرعه، وباعتنا ماءه «بالشربة» والجرعة! حتى أصبحنا ونحن نغدو على حفتيه ونروح، نتناشد قول الشاعر:
يا سرحة الماء قد سدت موارده
أما إليك طريق غير مسدود؟
حقا يا سيدتي الشركة، لقد سامتنا «عداداتك» رهقا وعذابا، وجرعتنا من نيلنا علقما وصابا، وكان من قبل سكرا مذابا، وكان شهد أو جلابا، لقد ساغ وردا وحلا شرابا!