وإنني أعرف أن كثيرين من الشبان لم تطلب نفوسهم بتوثيق عقدة الزواج إلا بعد أن أخرج لهم الأحماء حجج أملاكهم، إن أطيانا زراعية وإن أبنية قائمة، فاطمأنوا إلى صحتها واستيفائها لشروط عقود الملكية، وربما مضى أحدهم في سر من أولياء الفتاة إلى المحكمة المختلطة، فاستخرج الشهادات العقارية الدالة على خلو الأعيان من كل رهن أو اختصاص أو امتياز، حتى يقبل مطمئن الضمير على الزواج.
ولكن! ... آه ولكن! ... ولكن من ذا الذي يضمن أن تقصر آجال هؤلاء الأصحاء، لتحق التعزية ويعجل المقدور بالرجاء؟ وما يدرينا لعل أعمارهم تطول وتطول، حتى يقيموا هم المناحات على البنات وأبناء البنات؟
إذن فينبغي أن يضاف إلى الاطمئنان على صحة عقود الملكية الاطمئنان إلى أن الرجل قد أسن وهرم، وتزاحفت عليه العلل من كل جانب؛ ليضمن العريس أن أيام حميه في الدنيا غير محدودة، وأن خطاه إلى الضريح أصبحت إن شاء الله معدودة !
وإني لأعرف رجلا واسع الغنى ذا وقار ودين، له بنت أوفت على غاية من الجمال والرشاقة وحسن الأدب، وقد أخذت بحظ من علوم العصر وفن تدبير المنزل، وأسرة هذا الرجل على استنارتها وقوة ثقافتها ما برحت تحافظ على جميع التقاليد التي تحرص عليها كل أسرة تشعر بالكرامة والاحترام في هذه البلاد.
ويتقدم شاب موظف في الحكومة لخطبة الفتاة وترضى الأم في سر من بعلها بإخراج أسانيد الملكية للخاطب، وأنت خبير بلهفة الأمهات على تزويج البنات، وبعد إجراء اللازم من فحص هذه المستندات ومراجعة دفاتر المحكمة المختلطة، والاطمئنان إلى أن الأعيان نظيفة لم يعلق بها شيء من الحقوق وحينئذ صرف عنان السعي إلى تفقد صحة حميه العزيز.
وأول ما بدا له من هذا أن يجعل لإحدى خدم الدار جعلا على أن تريه مناديل البك التي في طريقها إلى الغسل، فتظاهرت الخادم بالرضى وواعدته زمانا ومكانا، ومضت من فورها إلى سيدتها فأخبرتها الخبر، فأشارت إليها أن افعلي، وحذرتها مطالعة سيدها بذاك.
وما أشد خيبة المسكين إذ يبسط المناديل كلها ظهرا وبطنا، ويحد النظر في خيوطها خيطا فخيطا، حتى يكاد من شدة التحديق ينقض نسجها نقضا، فلا يرى في أيها أثر الدم من نفثة صدر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!
وما له ييأس؟ وما له يقنط؟ أفكتب على الناس ألا يموتوا إلا بذات الصدر؟ وإذا كان السل معجلا للآجال، فلا شك في أن السكر والزلال من حبائل عزرائيل.
وهنا تقوم مشكلة، فإن أخذ النماذج - العينات - من بول الرجل لتحليلها يقتضي ولا بد علمه ورضاه فليس للأبوال شأن المناديل، إذن لم يبق إلا اتخاذ الصراحة، ولا شك أن كل زواج لا تقوم وسائله على الصراحة لا خير فيه، بل قل أن يكفل له بقاء. وما كاد الرجل يسأل في هذا حتى ثار ثائره وجن جنونه، وهم بالبطش بالرسول لولا أن أسعفته ساقاه بالفرار، وأرسل البك في دعوة ابن أخيه غير المتعلم وعقد له على ابنته لساعته.
وبعد، فليس كل الناس بقادر على أن يرغم ابنته على الزواج من قريبه، واقعا شأنه في الحياة ومن هوى الفتاة حيث وقع، وليس كل الناس بقادر إذا طاب له على أن يعضل ابنته حتى تشيخ وتعنس، وليست الآجال بأيدي الخلق حتى يعجل الآباء الموسرون بآجالهم؛ ليتقدم لبناتهم الخاطبون من شباب هذا الزمان.
إذن لم يبق إلا حل واحد لهذه المشكلة الاجتماعية التي تعانيها مصر في هذه السنين، حل واحد يستدرج الشبان للزواج، ولا بأس به على البنات ولا على آباء البنات، بل إنه فوق هذا وهذا ليفسح في النظام الاقتصادي ويضيق من مساحة العطلة في البلاد.
وهذا الحل الفذ الذي لا حل قبله ولا بعده، هو أن تؤسس في مصر شركة أو شركات للتأمين على الموت تقوم بجانب شركات للتأمين على الحياة، وهذه شركات التأمين على الموت - وقاك الله البليات، وعصمك من خطبة الشباب للبنيات - تجري في معاملاتها على عكس ما تجري عليه شركات التأمين على الحياة، وإليك البيان.