تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أن يقول الله تعالى:

وبشر الصابرين .

2

ويقول فيه:

والله يحب الصابرين .

3

ويقول كذلك فيه:

والله مع الصابرين .

4

و

إن الله مع الصابرين .

5

وناهيك بمن كان الله معه ولا شك أنه حقيق بأن يكفى الشر كله ويلقى الخير أجمعه.

والواقع أن القرآن العظيم ما كرر حديث الصبر هذا التكرير، ولا وكد الدعوة إليه كل هذا التوكيد؛ إلا لأنه مادة الفوز وعدته في الدنيا والآخرة جميعا.

وإذا لم تكن سبيلنا في هذا المقال هي حصر فضائل الصبر، واستقصاء مزاياه، فلنقصر الحديث على ما يشاكل ما يعانيه العالم في هذه الأيام.

والآن فانظر كيف يقول الله تعالى قوة الصبر وبأس الصابرين من المقاتلين:

يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون .

6

ثم انظر كيف يقول:

الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين .

7

فقد رأيت أن المجاهد المؤمن الصابر يغلب عشرة من عدوه، فإذا كان فيه ضعف غلب اثنين بإذن الله القوي العظيم.

وقال تعالى في كتابه العزيز:

يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون .

8

وأنت ترى كيف قدم الحث على الصبر والمصابرة على المرابطة والاستعداد للقاء العدو، وذلك إشادة بفضل الصبر، ولما يعلم الحكيم العليم من أن كل استعداد للقتال مهما يعظم شأنه إذا لم يكن مقرنا ببناء النفس على الصبر وأخذها بشدة الاحتمال لا خير منه ولا غناء فيه.

وبعد، فلو قد مضى الكاتب في ترديد الآيات الكريمة التي تحض على أخذ النفس بالصبر، وخاصة في ساعات الروع، وجعل يضيف إليها الحكم والأسباب، ويردفها بالظروف والملابسات لاتسع كثيرا نطاق الكلام عن المساحة المقسومة لمثل هذا المقال، وفي القدر الذي قدمناه الكفاية إن شاء الله.

على أنه لا يفوتنا أن نزن مبلغ حاجتنا إلى الصبر في الأيام التي نخوضها الآن، وفيما عسى أن نلقى في مستقبل الأيام.

نحن نتوقع غارات تعترينا من جو السماء، وقد تلحق بنا من الأذى قليلا أو كثيرا.

ومن ظن ممن يلاقي الحرو

ب بألا يصاب فقد ظن عجزا

ولنقدر - لا أذن الله - أن يأخذنا الهلع والفزع، فماذا تكون الحال؟

لعمري، ليس شرا على نفسه وشرا على غيره من الهلوع الذي ضل رشده، وفقد صوابه، وكيف لمثل هذا بالنخاس أحسن السبل لاتقاء الأذى والنجاة منه، أو استنقاذ الغير أو إسعاف المنكوب بما يهون من بلائه ويعصم عليه الحياة؟

اللهم ليس لهذا السليب العقل المستطار اللب بشيء من ذاك يدان، بل إنه بهلعه واضطرابه وتخبطه هنا وهناك لحقيق بأن يوقع نفسه في خيلاء، وقد يكون بعيدا عنه ويزيد في ويل سواه، وقد يكون على شرف الخلاص منه، والأمثلة على هذا أكثر من أن يلحقها العد أو يحيط بها الإحصاء.

أما هذا الذي أخذ نفسه بالصبر فجمع في ساعة الروع رشده، وملك ناحية تفكيره وتدبيره، فهو الجدير أن يحكم التقية قبل نزول البلاء، ويلتمس المخرج وقت وقوعه، ويسرع إلى نجدة المكروبين ممن عسى أن يكونوا قد أحيط بهم، وإلى إسعاف من عسى أن يكون قد مسهم الضر بما يرد الآلام، ويعصم من العواقب الجسام!

وأخيرا، فإذا كانت الأمم المتحاربة الآن تحسب حسابا كبيرا لما يدعونه الطابور الخامس، فليس عندي أي شك في أن الهلع والذعر في مثل هذه الأوقات، هما أخر هذا الطابور وأنفذ وأفتك.

الهلع والذعر، هما من أفتك الآلات في يد العدو، بل لعلهما أفتك من كل ما تطوله يده من عدة وسلاح، ولا غرو علي إذا دعوتهما من الآن بالطابور السادس.

فعلينا أن ندرع بالصبر والاحتمال، ولا ندع للجزع إلى أنفسنا السبيل، وأن نستبقي الرشد مهما يجشمنا من جهد، فهذه هي وسيلة النجاة والتخفيف من ويلات هذه الحياة.

قطوف البشري · الصفحة ٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قطوف البشريص ٢٩