ثم ماذا؟ ...
اللهم إن هذا كله وأضعاف أضعافه لا يقي البلاد، ولا يكفل السلامة والنجاء، وإلا لكان أضمن لهذا وأكفل، أولئك الذين أعدوا للحرب والسلامة من ويلات الحرب، ما لا يتصوره العقل ولا يكاد يتعلق به الخيال، وهذه الطائرات المغيرة تدمدم عليهم في أعز مآمنهم، فتنسف الدور عليهم نسفا، ولا تألو حتى الشيخ والمرأة والطفل فتكا وعصفا!
إذن فلا نجاء ولا سلامة، وإذن فلا بد من أهوال تذكر أهوال القيامة؟
يا ويلتا! أترى العقل الإنساني قد عجز عن أن يستحدث ما يقي حتى الوادعين من غير المقاتلين ذلك البلاء، ويعصمهم من هذه المحن والأرزاء؟
هذا العقل البشري الذي استحدث في الزمن اليسير، كل تلك الفواتك المدمرات القاصفات سواء منها ما يتخذ سبيله سويا في جحر، وما يزلزل الأرض، وما يرمي الخلق بما لا تبلغه ثورة البراكين وما يدمر حتى الحديد المصفى من جو السماء - أترى العقل البشري قد عجز حقا عن أن يبتكر ما يكفل الأمن والعافية، ولو لهؤلاء الوادعين العاجزين عن الخروج إلى معترك القتال!
إذن فقد أصبح هذا العقل البشري أداة لا تصلح البتة إلا للافتنان في ألوان الشرور والآثام! وإذن فقد حق على الإنسان أن يسخر من أنه إنسان، وأن يتمنى لو يكون حيوانا من بعض الحيوان!
ترى أوصلت الإنسانية إلى هذا الحد، وبلغ العقل الإنساني هذه المنزلة من العجز؟
أظن أننا نظلم العقل الإنساني إذا نحن أنزلناه هذه المنزلة وألزمناه هذا المكان الوضيع.
فمن القدم فكر الإنسان في دفع مثل هذا الأذى واتقاء هذه المكاره بمقابلة القوة بالقوة ورد العدوان بالعدوان، على أنه في العصر الحديث زاد من أسباب الوقاية على قدر زيادة الموبقات في معدات القتال، فإنه فوق دفع شرور الطائرات المغيرة بالطائرة الحارسة فقد استحدثت المدافع المضادة للطائرات، كما استحدثت المخابئ لمواراة سكان المدن، وأجدت القناعات الواقية، وضوعفت الهمة في وسائل الإنقاذ والإسعاف.
على أن هذا كله لا يغني الوادعين - إن أغناهم كثيرا - إذن فلا زالت كفة الشر هي الراجحة، وصفقة البلاء هي الرابحة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!
وبعد، فحين يئست في هذا الباب، من الاتقاء بالوسائل المادية، التفت إلى الوسائل المعنوية، فإذا هناك ما هو أحصن وأمنع وأكفى وأدنى وأجل وأعظم وأجمل وأكرم.
بين هذه القوى المعنوية قوة لو أن الجماعات والأفراد أخذت النفوس وراصتها عليها لأمكنها في سهولة ويسر أن تتقي كثيرا من الأخطار، وتخفف كثيرا من المضار وتهون ما حتمته الأقدار.
هذه القوة المعنوية التي كثيرا ما تقهر القوى المادية وتظفر بها، وتفسد عليها حسابها وتغلق دون الفوز أبوابها هي الصبر والاحتمال، فبالصبر يقهر الجيش من هم أكثر منه عددا، وأجزل عددا، وأوفى مددا، وقديما قيل: «الشجاعة صبر ساعة.»
على أننا كيف قلبنا النظر لا نجد أن شدة انجلت، وأزمة انفرجت، ولا أن مسعى نجح، وعملا كتب له الفلاح، إلا إذا كان الصبر هو العدة، وهو الزاد، وهو المتكأ.
أرني عالما أو مؤلفا، أو مستحدثا أو مستكشفا وصل إلى مراده فنفع الناس، وزاد في بناء الحضارة وأجدى بأثره على الإنسانية جميعها، دون أن يكون الصبر هو عدته وملاكه؟
أروني غنيا وصل إلى الغنى وأغنى من طريقه المعبد، إلا ببناء النفس على الصبر الطويل؟
في الحق أن الصبر من أجل ما أنعم الله على من أنعم من الناس، فليس أدفع للشر منه.
قلب نظرك في جميع أسباب هذه الدنيا تجد للصبر أثرا في كل ما تحمد غاياته، ولحرج الصدر نصيبا في كل ما تسوء مغباته.
1
ومما يسترعي النظر حقا أن القرآن الكريم لم يهتف بخلة كما هتف بخلة الصبر، تكررت فيه ولم يدع إلى فضيلة على كثر ما يدعو إلى الفضائل، كما دعا إلى فضيلة الصبر، حتى لقد تكررت فيه كلمة الصبر ومشتقاتها من: صبر، يصبر، اصبر، الصابرون ... إلخ، مائة مرة ومرة، تدور في أربع وأربعين سورة وحسب الصبر فضيلة.