تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الله أكبر الله أكبر، إن في ذلك لعبرة العبر!

انظر كيف خرج محمد من بلده وكيف عاد إليه ولم يطو من عمر الدهر أكثر من ثمان سنين!

لم يرق جيشه اللجب دما، اللهم إلا نطاقا قطرتها حماقة بضعة نفر لم يكونوا أكفاء لحياة الإسلام!

لقد طالما تحدت قريش رسول الله وسألوه أن يسأل ربه أن يمتحنهم بالآيات الكبرى، التي امتحن بها الأمم قبلهم، ولكن الرسول لم يفعل بل لقد آثر احتمال الكيد والأذى، علما منه بأن رسالته أجل من أن تزيد بالخسف والدمدمة والعصف والتدمير التي كانت أليق بخوالي العصور، بل هي رسالة الحجة والمنطق وخطاب العقل ولغته إلى ألوان العبر، وتمييز النفع من الضر، والتفريق بين الخير والشر وهكذا.

على أن من هؤلاء الذين سألوا محمدا

صلى الله عليه وسلم

أن يدعو ربه أن يهلكهم، ويأخذهم بما أخذ به الأمم قبلهم؛ مبالغة منهم في التحدي وإظهار التكذيب للدعوة، من هؤلاء من جاهدوا في الله حق الجهاد، وأبلوا في سبيل هذه الدعوة أحسن البلاء.

أما أولادهم جميعا وحفداتهم فهم رافعو راية الإسلام، ومذكو حضارته الغالية النبيلة في كل مكان.

ولعمري لم تفتح السرايا ولا الجيوش كل هذا الفتح، وإنما كان الفاتح الأول هو القرآن.

| بين الحرب والسلام

لست أرتاب، ولعل كثيرين من القراء لا يرتابون كذلك في أن دعاية تقوم الآن في مصر، تحفزها إلى الدخول عاجلا في الحرب، وهذه الدعاية تظهر قوية آنا وضعيفة آنا؛ صريحة حينا وقائمة على التعريض حينا آخر.

ولست أرتاب في أن هذه الدعاية مصرية خالصة؛ لا يستروح منها أي ريح أجنبية.

ولست أرتاب في أنه ما بعث هؤلاء الدعاة إلى دعايتهم إلا الشعور بالكرامة القومية.

ولعمري؛ ما دعاني أن أقرر أن هذه الدعاية مصرية خالصة، إلا أن المصدرين لها ممن لم تحص عليهم في وطنيتهم شبهة، ولم تلحقهم تهمة، بل إن منهم لمن له ماض في الجهاد جليل.

إذن فالأمر لا يعدو - أولا - الأنفة والشعور بالكرامة الوطنية والعزة القومية، وكيف لا يثور - بادئ الرأي - شعور المصري الحر، وهو يشهد الجيش الإنجليزي يقوم وحده بقتال من يحاولون غزو بلاده واقتحام أرض الوطن، إذ أبناء هذا الوطن نفسه قابعون في أعقار دورهم، قانعون بهذا الضرب الرخيص من السلامة من أذى الحروب!

ولو أننا نكتفي بهذا الموقف؛ موقف المتفرج بشهور الصراع بين المتجمع لغزو وطننا وبين مدافعة عن هذا الوطن ، لو أننا نقف هذا الموقف فحسب، لهان الخطب بعض الشيء، ولنا في المستضعفين في رقاع الأرض بعض الأسوة ولكننا لا نفتأ في نهارنا وليلنا نتشادق بدعوى الكرامة، ونتغنى بما أصبنا من الاستقلال والحرية!

فإذا أضفنا إلى هذا تلك الأناشيد الحماسية التي بني أكثرها من لفظ بارد، وجرى في تلحين فاتر، تتكثر فيها أصوات المنشدين وتسترخي وتتزايل تزايلا ينبو عنه أصلب راقص مخناث، هذه الأناشيد التي تصبحنا وتمسينا كل يوم مرات ومرات، تدعونا إلى تقلد السلاح والهرولة إلى الصراع والكفاح، إذا أضفنا هذا إلى هذا، كان شأننا في هذه الدنيا عجبا!

وبعد، فلست أشك في أنه ما بعث أولئك الداعين إلى الحرب المستنفرين أبناء وطنهم للقتال، إلا الشعور القوي بأن هذا الموقف لا يليق بالرجال، ولا يتسق لهذه الدعوى العريضة في الحرية والاستقلال!

هي - فيما أرى - دعاية قد سمت على كل اعتبار، دعوى أثارها مجرد الشعور بالكرامة، والحر إذا أحس أن كرامته قد خمشت، أو أنها معرضة لأن تخمش هب للصراع دونها، ما يتربص لتفكير ولا تدبير ولا يدير الذهن في فرض أو احتمال، ولا ينتظر ما يخرجه له القياس من نتيجة الصراع والقتال:

إذا هم ألقى بين عينيه عزمه

ونكب عن ذكر العواقب جانبا!

وإذا كانت الدعوة إلى دخول مصر في الحرب من غير إبطاء هي المثل الأعلى للحفاظ للكرامة الوطنية، فإن من الخير أن نجرد صدرا من همنا لدرس المسألة من الجهة العملية.

قطوف البشري · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قطوف البشريص ٢٦