تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2

ويقول - عز وجل:

أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون

3 * قل تربصوا فإني معكم من المتربصين .

4

ولما هبط الليل جرد أولئك الفتيان إلى داره في أيديهم سيوفهم مشهورة، وأقاموا يرتصدون له على بابها حتى يخرج، ثم إذا هو يخرج فيعفر بالتراب وجوههم، وفي غشية أبصارهم يتسلل إلى دار صديقه ما يراه منهم أحد.

فإذا صار في بيت صاحبه أخبره بأنه مهاجر لساعته وآخذه معه، فإذا سأل صاحبه عن وجهه تعذر أولا؛ لأن بنتيه حاضرتان، ثم اطمأن فباداه بمهجره.

وخرجا من خوخة في ظهر الدار، ولم يمضيا قدما إلى وجههما، فإن الأقوام لا بد طالبوهما في كل سبيل، بل عدلا إلى غار يعصمهما من العيون حتى تسكن حدة الطلب ويترسل بينهما وبين البلد بعض الأبناء ويأتونهما بالطعام، ويفضون إليهما بما يتسمعون في شأنهما على الأعداء.

ولما فتر حد الطلب بعد ثلاث أيام انطلقا ومعهما دليل يبتغي بهما من السبل، ويسلك من الدروب ما لا يبتغي السيارة ولا يسلكون، بل ما لعل جمهرة الناس لا يعرفون.

وبعد بضع عشرة ليلة طال فيها الترقب وحذر الطلب، يبلغ وصاحبه المأمن وهذا المأمن المعز المانع هو يثرب.

وكذلك كان خروج محمد

صلى الله عليه وسلم

من بلدة مكة بعدما عانى من قومه ما عانى، واحتمل من أذاهم وعنتهم ما احتمل، وكذلك أنجاه الله - تعالى - من القتل الذي بيتوا، لم تخالجهم فيه رحمة ولم تحشمهم منه رحمة!

نحن الآن في يثرب وقد مضى على تلك الهجرة المهولة ثمان سنين، ثمان سنين لا أكثر، فليت شعري ماذا نرى وماذا نسمع؟

نرى شيئا لا يكاد يتسع له البصر، ونسمع جلجلة لا تكاد تحتمل موقعها طبلة الأذن ...

هذه صلصلة السيوف وهذه قعقعة اللأم

5

والدروع، وهذا صهيل الخيل، وهذا هدير الإبل، وهذا لجب يحكي جرجرة الآذي

6

في اليوم العاصف، وهذه الرايات المرفوعة، وهذي كتائب الجند تتلوها الكتائب من رجال وفرسان كأنهم لم يخلقوا إلا للقراع والطعان، وعلى كل كتيبة علم من أعلام القادة؛ وكمي من الكماة الزادة والغطاريف السادة، وهذا محمد صاحب تلك الهجرة على جيش كثيف من المهاجرين والأنصار:

يمشون في زعف كأن متونها

في كل معركة متون نهاء

بيض تسيل على الكماة نصولها

سيل السراب بقفرة بيداء

فإذا الأسنة خالطتها خلتها

فيها خيال كواكب في ماء

أبناء موت يطرحون نفوسهم

تحت المنايا يوم كل لقاء

ولكن أين الطلبة وأين المنتهى؟ الله ورسوله أعلم!

وما لأحد يسأل رسول الله

صلى الله عليه وسلم

عن هذا، وهو إما قاتل فناقض من بناء الشرك حجرا، ومقيم في صرح التوحيد حجرا، وإما مقتول وقد علم أن الجنة تحت ظلال السيوف؟

ثم تتبين الطلبة ويسفر الوجه، فإذا هو البلد الذي خرج منه النبي ذلك المخرج منذ ثمان سنين، هو مكة مثوى قريش الذين آذوه وصدوا عن سبيله، وكادوا له ولصحبه الأقربين، بكل ما اتسع له ذرعهم من الكيد، وائتمروا أخيرا بقتله وتفريق دمه في القبائل فلا يطلب بالثأر له أحد!

ومكة البلد الحرام الذي يقوم فيه بيت الله العتيق، وهو قبلة المسلمين في صلواتهم أنى كانوا من شرق الأرض وغربها، والذي فيه وما حوله تقام فرائض الحج، التي أوجب الله تعالى على كل مستطيع من المسلمين.

ترى ما عسى أن تصنع قريش، وقد قدم إليهم في عقر دارهم عدوهم القديم؟

تالله لقد كانوا أضعف من أن يخرجوا لحربه، وأذل من أن يناصبوه كيدا أو عداوة، بل لقد ابتغوا النجاة بأنفسهم من حيث أومأ هو إلى مواطن النجاة، فكانوا بين ثلاثة رجال: إما لائذ بالبيت الحرام، وإما عائذ بدار أبي سفيان، وإما مغلق بابه عليه، فهو حلس الخدر للنساء!

7 «الله أكبر! الله أكبر! أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله.» وهكذا قام بلال يرفع بها صوته في قلب البيت الحرام بعيون آلهة القوم - أصنامهم - وأسماعها إذا كانت لها عيون وكانت لها آذان!

قطوف البشري · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قطوف البشريص ٢٥