تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تشهد هذا المشهد، فيخيل إليك أن هذا العاشق المسكين لا يرى الوردة وقد تخرجت من كمها، والنرجسة وقد ضنت على ثدي أمها، والنسيم وقد تلطف، والجدول في الروض وقد تعطف، والأرج وقد شاع في الجو وتردد، والهزار وقد شدا على الأيك وتغرد، اللهم إنه لا يشهد شيئا من ذلك إلا ذكر به الحبيب، بل إنه ليرى هذا كله من بهاء الحبيب، ولولا أنه أعار الطبيعة كلها بعض جماله ما سطع فيها بدر ولا تأرج زهر ولا ضحكت الورود على الأغصان، ولا صدحت الفواخت على الأفنان، كلا! بل لشاه كل جميل، ولاستحال دبورا هذا النسيم العليل! بل إنه لا يرى الحياة كلها إلا جحيما لا يطاق فيه العذاب، ولا يرجي على الدهر منه ثواب.

لقد يروعك الأمر، إذ تشهد هذه العواطف ويتعاظمك، وسرعان ما ترثي للقلب وترثي للكبد، أو سرعان ما تغبط القلب والكبد، إذ استاثر من دون سائر الجوارح بجولان هذه العواطف التي تشقي المرء كل هذا الشقاء، وتسعده أحيانا بجميع ذلك الهناء!

وإنني أؤكد أن من ظن هذا فقد ضل ضلالا بعيدا!

ولقد أسلفت عليك أن هناك ألوانا من العواطف تثوي إلى غير الكبود وغير القلوب، وإن منها ما هو أشد وأعنف، ومنها ما هو أطغى على المرء وأجرف، وإني ملم اليوم منها بثلاث فحسب؛ أولها: عواطف البطن، وثانيتها: عواطف الغرام بالدرجة، وهذه مقصورة علينا نحن معشر الموظفين الحكوميين دون سائر العالمين، أما ثالثتها: فحب الشهرة وذهاب الصيت.

ولعلك تظن بي القصد إلى المزاح حين أزعم لك أن للبطن والدرجة والشهرة عواطف تجيش وتترقرق، بل إني لأزيد أنها قد تبلغ من بعض الناس ما لم يبلغ غرام قيس بن الملوح بليلاه، ولا هيام قيس بن ذريح في لبناه!

وأرجو ألا تظن أن هذا العاشق المهجور الذي طوى ليله وهو يساهر النجم، ويتصفح صفحة البدر ويذكر به الحبيب ، ويتمنى عليه اللقاء القريب بأشد حرقة، ولا أعظم لوعة من هذا الذي يتشهى الأكلة الشهية، ويتمنى الوجبة الجنية، وإنه ليتمثل صينية البطاطس وقد ديفت بالطماطم والبصل، ورصعت بالثوم ترصيعا، أما ما جللت به من مزع اللحم السمين، فجدير أن يزدرد بالشمال وباليمين!

ولا تنس هذا الطاجن الذي حشي رزا معالجا بالزبد، وقد دفن الحمام السمين فيه دفنا، وظل في الفرن الهادئ ساعات حتى نضجت قشرته، واحمرت بشرته!

وأما صفحة الكنافة فما أروع دلالها وأحلى وصالها، خصوصا إذا فاضت سمنا وسكرا، وحشيت زبيبا وفستقا وصنوبرا، وغشي وجهها بالقشدة الخالصة، وما شاء الله! وسبحان من أحسن وتفضل، والشكر لمن أنعم وتطول.

اللهم إن هذا العاشق الصب ليقضي ليله الأطول في تمثل هذا وتمنيه، وله من شدة اللوعة زفير أحمى من نار السعير.

ولقد يعمد في هيامه إلى باب الحاني وكبرى المطاعم، فيجد ما يسطع من ريح القنا أزكى مما تجد أنت من النسيم جاز بالروضة المعطار!

أفليس هذا وأمثاله محبين عاشقين، بل محبين والهين لا يفتئون يشكون لوعة البطون، كما يشكو غيرهم لوعة الكبود؟

أما حب الدرجة وما أدراك ما الدرجة! الله أكبر! هل سمعت بالسيل الجارف لا يصده حد، ولا يثبت بين يديه سد؟ وهل سمعت بالريح الصرصر العاتية، تدمدم رائحة أو غادية فتمتلخ في مغارسها الأشجار، وتقتلع من مبانيها الأحجار، وتأتي على كل قائم بالخراب والدمار!

هو كل شغل القلب، أستغفر الله! بل إنه لحب قد استولى على كل نوازع النفس، وملك جميع أقطار الحس حتى لقد تقول للصب المتيم: لقد اشتد البرد يا فلان في هذه الأيام، فيجيبك من فوره: يشاع أن «لجنة الترقيات» ستعقد في صدر هذا الأسبوع المقبل!

ولقد تقول لمتيم آخر: ما أهول هذه الحرب وما أروع فظائعها، فلا يكون جوابه إلا: أيجوز أن يرقى فلان إلى الدرجة الرابعة ولما يمض عليه أكثر من خمس سنين في الخامسة، في حين أنني سلخت فيها ثمانيا؟

قطوف البشري · الصفحة ١٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قطوف البشريص ١٠٥